الثقافة الاسلامیۀ
موقع إسلامي وثقافي الثقافة الاسلامية

خيارات المواجهة الغربية مع إيران.. إلی أين؟

0 115

خيارات المواجهة الغربية مع إيران.. إلی أين؟

 

محمد صالح صدقيان

 

تصاعدت خلال الأسابيع الأخيرة حدة الضغوط الأمريكية والغربية على إيران علی خلفية الأحداث الداخلية، وبلغت حد التلويح أكثر من مرة بالخيارات العسكرية. هذه الضغوط رافقتها مناورة جوية عسكرية أمريكيةـ اسرائيلية تحاكي هجوماً علی مواقع إيرانية إنطلاقاً من قاعدة الأسطول الخامس المتمركز في البحرين.

تحاول الإدارة الأمريكية التي انسحبت من المفاوضات النووية، التركيز على ملف حقوق الانسان في إيران لاستخدامه لاحقاً عندما يتوفر الظرف والتوقيت المناسبين. في هذا السياق، يشمل النقاش الأساليب والخيارات المتاحة لتصعيد حركة الإحتجاجات في الداخل الإيراني، بوصفها إحدى أدوات الضغط التي تمارسها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الجمهورية الإسلامية.

ويرصد الإيرانيون بدقة ما يجري انطلاقاً من إقليم كردستان ـ العراق أو عبر الأراضي الأفغانية والباكستانية الهشة أمنياً، ضمن مسار يهدف إلى تفعيل حركة الجماعات الانفصالية الإيرانية وصولاً إلى “تسليح الاحتجاجات”، كما عبّر عن ذلك مستشار الامن القومي الأمريكي السابق جون بولتون، ومثلما قال الرئيس الأمريكي جو بايدن عندما أبدى رغبته بتحرير إيران، وهو ما عبّر عنه أيضاً المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية بتأكيده علی أهمية متابعة التطورات الإيرانية الداخلية أكثر من الإنخراط في المفاوضات النووية! وإذا أضفنا إلى هذه الأجواء الحرب الإقتصادية في حدودها القصوی التي تمارسها الدول الغربية ضد إيران، فنحن نتحدث عن حرب مركبة متعددة الاتجاهات تهدف إلی إجبار إيران على رفع الراية البيضاء والاستسلام للمطالب الأمريكية في ما يخص الاقليم وتحديداً متطلبات الأمن الإسرائيلي بعدما كانت المفاوضات النووية قد بلغت نقطة متقدمة، لتذهب أمريكا من بعدها الی المطالبة بمفاوضات تتمحور حول الأمن الإقليمي والذي يقع الأمن الاسرائيلي في صلبه وقلبه، حسب التعريف الأمريكي للأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط.

وحتى الآن، وبرغم تعدد وسائل الضغط، لا توجد مؤشرات بإمكان قبول طهران تقديم تنازلات تحت وطأة الضغوط المتصاعدة، بل على العكس من ذلك، نحن أمام مؤشرات تصعيد وتمسك بالثوابت الإيرانية في اطار لعبة “جر الحبل” و”صراع الإرادات”.

يستدعي ذلك التذكير بأن الولايات المتحدة لم تحترم مصداقيتها، عندما ارسل الرئيس الأمريكي الأسبق باراك اوباما رسالته الودية للمرشد الإيراني علي خامنئي عبر سلطان عمان الراحل قابوس بن سعيد عام 2012 وعبّر من خلالها عن رغبة أمريكية في حل المشاكل الثنائية بين واشنطن وطهران.

كان المرشد الإيراني صادقاً مع نفسه ومع شعبه ومع السلطان قابوس الذي حمل الرسالة الإيرانية الأولى وفيها يوافق على السماح بجلوس حكومته مع الجانب الأمريكي في اطار سياسة جديدة اسماها “المرونة البطولية” التي أدت في العام 2015 إلى توقيع الإتفاق النووي.

لكن ما الذي حدث؟

بكل بساطة قال الرئيس الأمريكي اللاحق دونالد ترامب إن الإتفاق النووي “غير جيد”، وهو تعبير يختزل رفض تل أبيب للإتفاق الذي لا يأخذ في الإعتبار متطلبات “الأمن الاسرائيلي”، وهو مسار أدى إلى إنسحاب الأمريكيين من الاتفاق عام 2018.

في الإتفاق الأول كانت هناك التزامات بمناقشة جميع الملفات العالقة استناداً إلى رسائل الرئيس اوباما؛ لكن الإرادة الإسرائيلية ومعها السعودية إلی حد بعيد؛ لم تكن مقتنعة بمسار 5+1 وانما ارادت تحويله الی مسار 5+1+2 وهذا ما رفضته طهران اعتقاداً منها بضرورة تنفيذ الإتفاق الأول قبل الحديث عن أي ملف آخر.

لا أريد تبسيط الضغوط التي تتعرض لها إيران، بل على العكس من ذلك، ثمة إستشعار لمرحلة من المخاطر ستجعل طهران أكثر إندفاعاً نحو التشدد مع الغرب. هنا، علينا ألا ننسی الورقة النووية التي يحافظ عليها الإيرانيون وأيضاً خططهم مع الصين وروسيا إضافة إلی فرصهم المفتوحة إقتصادية مع تجمعات مثل منظمة شنغهاي والبريكس واوراسيا؛ اضافة الی عدم توفر مجلس أمن دولي مطواع قادر على إستصدار قرار بالهجوم علی إيران، كما حدث مع العراق في العام 2003، علی سبيل المثال لا الحصر.

ومن نافل القول إن إستخدام الخيار العسكري ضد إيران، بقرار دولي او بدونه، سوف يجعل المنطقة أمام إحتمالات يصعُب التكهن بمآلاتها، وهي لقمة يصعب هضمها من قبل دول المنطقة علی خلفية الامكانات النووية والصاروخية والميدانية التي تملكها إيران في الداخل والإقليم. لذلك من المستبعد جداً اللجوء إلى مثل هذا الخيار وان كانت اسرائيل تدفع الجميع للاقتناع به؛ لكن استخدام الخيارات الأخری أو الاستمرار باستخدامها، لن يجعل إيران هادئة وانما ستستمر بتطوير قدراتها الاقتصادية والنووية والعسكرية الأمر الذي لا يجعل الضغوط الموجهة لإيران تمر مرور الكرام.

وماذا عن الداخل الإيراني؟

تبدو المراهنة علی هذه القضية، وعلی أهميتها، خارج التصورات المطروحة لان هذا الداخل مهما كان يحمل في طياته من تطلعات اصلاحية في القوانين ورغبة في وضع اقتصادي افضل؛ الا انه لا يقبل ان تُضرب منجزاته او تُقسّم أراضيه أو تسود الفوضی والاضطرابات في مجتمعه.

“إيران تمارس أقصی حالات الصمود – يقول مسؤول إيراني كبير – وتملك القدرة علی الاستمرار وهي تريد أن يكون لها دور في هذه المنطقة التي تتنوع فيها مصالحها؛ وان يتم تأمين أمنها القومي وأمن مصالحها في المنطقة؛ ومن يريد أن لا يفهم ذلك – يضيف هذا المسؤول – فانه لا يستوعب مفهومي الاستراتيجية والتكتيك في العمل السياسي”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.