الثقافة الاسلامیۀ
موقع إسلامي وثقافي الثقافة الاسلامية

ماذا تريد إيران.. وماذا نحن نريد؟

0 229

محمد صالح صدقیان

 

لم يعد الحوار العربي الإيراني يقتصر على الدول الخليجية ولا سيما السعودية. تطور مجرى الحوار في الآونة الأخيرة في أكثر إتجاه إلى حد الحديث عن إعادة العلاقات الدبلوماسية بين دول عربية كالأردن ومصر وبين إيران، وذلك بعد قطيعة طويلة لأسباب مختلفة ومتفاوتة.

ما بين الدول العربية وإيران سجال طويل يمتد لأكثر من أربعين عاماً وتحديداً منذ العام 1979 تاريخ إنتصار الثورة الاسلامية في إيران وقيام الجمهورية الاسلامية علی انقاض الحكم الشاهنشاهي الذي كان يرتبط مع جميع الدول العربية دون استثناء بعلاقات جيدة لا بل مميزة، برغم انه كان شرطي الولايات المتحدة في المنطقة وليس في الخليج فحسب.

لا أريد أن أُوصّف نظام شاه إيران ودوره الاقليمي وتأثير ذلك على قضايا العرب ولا سيما قضية فلسطين؛ لكني أريد أن أحاول الإجابة على السؤال الآتي: ماذا تريد إيران من المنطقة وماذا تريد دول المنطقة من إيران؟ الجواب على هذا السؤال يشكل المدماك الأول في محاولة وضع العلاقات الإيرانية العربية علی السكة الصحيحة؛ وصولاً إلى تطويرها وإستدامتها لمصلحة كل شعوب المنطقة.

لا أريد تبسيط هذه العلاقة؛ كما لا أريد القول بعدم وجود مشاكل بين الجانبين؛ بل على العكس من ذلك. هناك مشاكل كثيرة وحقيقية لا يمكن تجاوزها بهذه البساطة وتتعلق بالمفاهيم والثوابت السياسية التي يلتزم بها كل جانب.

جادة المشكلة ليست ذات اتجاه واحد وانما ذات اتجاهين استنادا للقضايا الاستراتيجية التي تتمسك بها جميع الاطراف خصوصا ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وتواجد نظام الفصل العنصري (أبارتهايد) داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة.

هذه المشكلة الاولی وهناك مشاكل اخری تتعلق بتعريف الامن القومي والاقليمي وحدود هذا التعريف وعلاقة كل نظام سياسي بهذه الحدود داخل الاقليم.

يبدو لي ان جولات المباحثات الخمس التي جرت بين طهران والرياض برعاية عراقية في بغداد لم تحسم المشاكل العالقة بين الجانبين، لكنها حقّقت نتائج ايجابية ليس لانها نجحت في حل هذه المشاكل وانما لاقتناع الطرفين بضرورة التقارب ووضع حد للإشتباك الأمني ـ السياسي الذي لم يخدم كلا الطرفين.. وعليه انتهت تلك المباحثات بالتفاهم علی رفعها إلى المستوی السياسي ـ الدبلوماسي في الجولة المقبلة.

في القضية الاستراتيجية، لا يبدو في الامد المنظور ان طهران مستعدة للتنازل عن ملف حيوي كالملف الفلسطيني، وبالتالي ستستمر في دعم الحركات التي تقاوم الكيان الصهيوني الغاصب سواء في الاراضي الفلسطينية المحتلة او خارجها. هذه حقيقة تثبتها مفاوضات فيينا النووية وهي تستند علی حقيقة ان هذا الكيان قام علی اساس العدوان والاحتلال وهو يريد اخضاع المنطقة لاهدافه التوسعية مستعيناً بالنفوذ الذي يمتلكه في الدول الغربية وهو لا يريد اقل من تجزئة المُجزء وتقسيم المُقسم؛ اضافة الی انه يشكل العامل الاساس في زعزعة الامن والاستقرار في المنطقة. ولذلك فان هذه “الغدة السرطانية” يجب ان تُستأصل من الجسم الاقليمي حتی يستطيع هذا الجسم العربي ـ الاسلامي العيش بسلام وأمان وإستقرار.

من الصعب الإعتقاد أن قراءة الوسط العربي تختلف في هذا المجال عن القراءة الإيرانية لكن ذلك لا يبرر تجاهل حقيقة رضوخ البعض في مراحل معينة لمعادلات ومتطلبات ومصالح دولية؛ ولعل كلمات عدد من الزعماء والقادة العرب امام الرئيس الأمريكي جو بايدن في قمة جدة تعطي بعض المؤشرات علی هذا الاعتقاد.

ما هو الحل؟ ومن أين نبدأ؟

اعتقد انه يمكن التوصل الی توليفة واقعية تكاملية لنصرة القضية الفلسطينية. فمن يريد دعم هذه القضية بالسلاح فهذا المعسكر موجود؛ ومن يريد دعمها بالعمل السياسي والمال فعنوان معسكره واضح وبيّن.

اقول ذلك وأنا معتقد أن الأمور ليست بهذه البساطة لكن لا بديل عن حل مُستدام يدمج المسارات من دون تخوين الآخر.

تبقی قضية الامن الوطني والقومي والاقليمي. من الواضح أن كل دولة من دول الاقليم لديها تعريفها الخاص لأمنها الوطني والقومي والإقليمي. ومن الطبيعي ان تكون هذه التعريفات غير منسجمة وربما متعارضة، وهذا أمر طبيعي لا يحمل في طياته شائبة سلبية. ما هو غير طبيعي ان تفشل هذه الدول في تقريب وجهات نظرها عندما تلجأ إلى التنافس لا بل إلى التدافع الامني لتحقيق مصالحها السياسية والامنية والاقتصادية، فتكون النتيجة معكوسة، وهو ما أثبتته الإستحقاقات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الأخيرين، إذ تضررت مصالح الجميع وأفسحت المجال أحياناً لتسلل الإرهاب والمنظمات الارهابية والتكفيرية من خرم الخلافات العربية ـ الإيرانية. ان مبادرات من نوع إنعقاد طاولة حوار أو تشكيل منتديات سياسية وأمنية واقتصادية لمقاربة المشتركات أو أي مبادرات على مستوى الجمهور (إقتصاد أو رياضة أو فن أو ثقافة إلخ..) هي الطريقة الأقل تكلفة؛ أما القضايا الإشكالية فيمكن ادارة الحوار بشأنها وجعلها تحت السيطرة، علی امل تقريب وجهات النظر في قادم الأيام.

هناك سؤال ساذج: ما الذي يمنع حوارات أو منتديات تضم 6+1 أو 6+3 أو 6+4 أو 6+5 بين دول مجلس التعاون الخليجي وبقية دول المنطقة. لماذا نستطيع التفكير بدمج كيان عنصري محتل؛ ولا نفكر بدمج دول اقليمية؟

أعتقد جازماً أن ذلك صعب لكنه ممكن، خصوصاً متى تتوفر الإرادة السياسية والواقعية المطلوبة والظروف المؤاتية.

عادة من يكتب التاريخ هم الكبار والعظماء الذين يستطيعون التأثير في الظروف الجيوستراتيجية من أجل أن تنعم شعوبهم بخيرات بلدانهم وامكاناتها البشرية والمادية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.