الثقافة الاسلامیۀ
موقع إسلامي وثقافي الثقافة الاسلامية

الإسلام الأصیل والإسلام الأميرکي في فکر الإمام الخميني(رض)

0 11

الملخص

إن تحلیل خطاب الثورة الإسلامية ودراسة أفکار الإمام الخميني(رض) يکشف لنا بوضوح بأن الإسلام الصحیح هو الأساس الذي تقوم علیه أعمدة الحکومة الإسلامية. هذا الأساس یستند إلی قاعدة شعبية قوامها المستضعفين والمضطهدين والأحرار والعلماء ورجال الدين وبشکل عام کل إنسان حر آمن بالإسلام المحمدي ایمانا صادقاً بحيث امتلک القدرة علی التمیيز بين الإسلام الأصیل والإسلام المزيف. تعد الجمهورية الإسلامية حاملة لواء الإسلام المحمدي الأصيل؛ إنه إنجاز حققه الإمام الخميني(رض). في الجهة المقابلة والمعادية للإسلام الأصیل؛ تقع جبهة الإسلام الأميرکي. هذه الجبهة هي عبارة عن فرقة قليلة العدد لکنها في نفس الوقت تنقسم إلی عدة أقسام وتتلقی الدعم من جانب القوی المستکبرة کالولایات المتحدة الأميرکية وبریطانيا. ويمکن تحدید الجهات الفاعلة والجهات الداعمة لهذه الجبهة کالتالي:

–      الحکام الرجعيين

–      المتحايلون والمتظاهرون بالدين(المنافقين والدجالين والملبّسين بلباس الدين كذبا وزورا والذين يرفعون العناوين والشعارات البرّاقة لخديعة الناس)

–      المنافقون

–      جماعة انجمن حجتيه

–      المترفون وأمثال هؤلاء

 

انطلاقاً من أهمية وضرورة الوعي بما یمیز الإسلام الأصیل عن الإسلام المزيف أو الأمریکي؛ يقوم هذا البحث بدراسة وتحلیل خصائص وأسس کل واحد منهما عبر الاستعانة بالمنهج الوصفي بالإضافة إلی تحلیل الخطاب، لتبيين آراء وأفکار الإمام الخميني(رض) المرتبطة بالإسلام الأصيل والإسلام المزيف. ویستند هذا البحث علی مجموعة مؤلفات الإمام الخميني(رض) وهي عبارة عن 22 مجلد يحوي تصريحات الإمام وأقواله وخطبه في مختلف المجالات. الجدیر بالذکر ان ترجمة العبارات المنقولة عن الإمام الخميني تمت بتصرف.

المقدمة

يقول الإمام الخميني(رض) إن العالم يتلهف لثقافة الإسلام المحمدي الأصيل. [۲] إن الإسلام هو أکمل الشرائع الإلهية والقوانين الإنسانية، وهو الشريعة التي تسیر بالإنسان نحو الکمال، فالتمسک بهذه العقيدة هو السبيل الوحيد للنجاة من الانجرار إلى مزالق الفساد بأنواعه المختلفة، کما انه السبیل الوحيد لتحقيق التنمية والحصول علی السعادة الخالدة. منذ القدم، کان لهذه الشريعة أعداء يعملون علی تشويه القيم الإسلامية وحرفها عن مسارها الصحيح. أعداء الإسلام الأصيل یرون تعاليم الإسلام وأحكامه تشكل عبئًا ثقيلا عليهم وحاجزًا منيعًا بينهم وبين التمتع بمباهج الدنيا وشهواتها، وحاجزا يمنعهم من تحقيق مآربهم الخبيثة الرامية لفرض هيمنتهم علی المجتمعات. لذلک قاموا(ويقومون) بمحاربة الإسلام وعملوا علی مواجهته بکافة الوسائل والطرق؛ انهم عملوا علی فرض سیطرتهم ونشر أفکارهم في المجتمعات الإسلامية للنيل من المسلمين عبر إتخاذ إجراءات تزلزل إيمانهم ودينهم وتزلزل عقيدتهم وأخلاقهم.

إن أبرز المخططات التي قام بها أعداء الإسلام بغية إستهداف هذا الدين تمثلت في تحریف المباني الإسلامية من خلال الترويج للإسلام المزيف. قديماً قام الأعداء بالترويج إلی الإسلام الأموي لکنهم اليوم يعملون علی نشر الإسلام الأميرکي والهدف واحد؛ الهدف هو إضعاف الإسلام الصحيح والنيل منه. لم يعد لدينا إذن خطاب واحد، وإنما أصبح لدينا خطابان هما: الإسلام المحمدي الأصیل والإسلام الأميرکي المزيف.

لقد کان الإمام الخميني(رض) يؤکد علی ضرورة التمييز بين الإسلام الأصيل والإسلام المزيف وهو الإسلام الأميرکي. إنه کان يدعو المسلمين إلی اليقظة والبصیرة. ثمة مواصفات تميز أنصار الإسلام المحمدي الأصیل عن الآخرين منها: الإيمان بالولاية ومناهضة الظلم والاستبداد، وبساطة العيش والإيمان بوجود علاقة بين الدين والسياسة، ودعم المستضعفين والتضامن معهم، والتصوت للحکومة الإسلامية والسعي لإقامتها، والإيمان بالجهاد، وعدم التزام الصمت أمام الظلم وغطرسة القوی المستکبرة. أما مواصفات الإسلام الأميرکي فهي: نفي العلاقة بين الدين والسیاسة، والالتزام الصمت تجاه الظلم الذي تمارسه القوی والأنظمة المستبدة، والإهتمام بالقيم المادية، وحب الترف وحب المال، والإستسلام والمساومة وعدم الاهتمام بالولاية والحکومة الإسلامية.

تسعی هذه الدراسة وعبر الاستعانة بمنهج تحلیل الخطاب إلی تبيين آراء وأفکار الإمام الخميني(رض) المرتبطة بهذين المقولتين. استعانت الدراسة بوثائق ونصوص مختلفة أهمها مجموعة أعمال الإمام الخميني، وکتب ومقالات ورسائل جامعية لها صلة بالموضوع. أما المصدر الرئيسي الذي اعتمدت علیه الدراسة في شرح وتبيين آراء الإمام الخميني هو کتاب صحيفة الإمام(المكوّنة من 22 مجلداً) بالإضافة إلی الدراسات البحثية المرتبطة بآراء الإمام الخميني حول الإسلام الأصیل والإسلام الأميرکي.

 

2-الإمام الخميني والحديث عن أنواع الإسلام

علی مر التاريخ، وإلی جانب منهج الأنبياء، ظهرت تیارات مختلفة أخذت علی عاتقها العمل علی حرف الدين واختلاق البدع بهدف حرف الناس عن الصراط المستقيم، وذلک عبر استبدال القيم والشرائع الإلهية بالتعاليم المزيفة والمحرفة.[۳] لقد أشار الإمام الخميني(رض) إلی هذه الظاهرة وقال: للإسلام أنواع مختلفة؛ نوع يخدم مصالح القوی الاستعمارية والتوجهات الرأسمالية ومن يتبعها.. ونوع يطالب بحقوق المستضعفين والمضطهدين والشعوب ترزح تحت وطأة الاستعمار.. في السنوات الأخيرة من عمره الشريف، قام الإمام الخميني بتعريف الإسلام في أبعاده المختلفة محذراً من خطورة الأفکار المزيفة، فهو وإلی جانب محاربة الاستبداد والسیاسات الاستعمارية؛ کان يؤکد علی ضرورة التمیيز بين الإسلام الحقيقي والإسلام المزيف. [۵] کان يؤکد بأن المسلمين یجب ان یقوموا بالبحث عن الحقيقة الضائعة،أي الإسلام الصحيح.. وکان يؤکد ایضا: بأننا الآن لانعرف ماهو الإسلام الصحيح.. لقد قام المستبدون بالترويج للأفکار المزيفة ونتيجة ذلک کانت ضياع المعنی الصحيح للإسلام.. إن عدم التمکن من العثور علی الإسلام الصحيح یعني عدم التمکن من الاصلاح.. فهذا ما أوصلنا إلی ما نحن علیه الآن(عدم معرفة الإسلام الصحيح أوصلنا إلی هذه الوضع). لایمکننا استعادة مجد الإسلام طالما لم نجد طريقا يوصلنا نحن وکافة المسلمين إلی الإسلام الصحيح..  [۶]

إن الإمام الخميني ومن أجل إيضاح مفهوم الإسلام الصحيح، استخدم مصطلح”الإسلام المحمدي الأصیل” کمصطلح نقيض “للإسلام الأمريکي”. في بيان له بمناسبة اربعينية العلامة “عارف حسين الحسيني” ( من علماء الدين الباكستانيين الشيعة) أکد الإمام الخميني: أن القوی المستکبرة في الشرق والغرب بعد ان عجزت عن مواجهة العالم الإسلامي بشکل مباشر، انتهجت استراتيجية جدیدة لمواجهة الإسلام والمسلمين تمثلت في اغتیال الشخصیات السیاسية والدينية من جهة، والترويج لثقافة الإسلام الأمريکي في البدان الإسلامية من جهة ثانية.. لو کانت اعتداءات القوی الاستعمارية کاعتداء الاتحاد السوفيتي ضد الشعب الافغاني، لنهض المسلمون لمواجهة هذه الاعتداءات بکل قوة.. لکن الحقيقة هي ان المواجهة ضد الإسلام الأميرکي هي عملية معقدة وشائکة تحتجاج قبل کل شيء إلی تحدید الخطوط لمعرفة الإسلام الصحيح ثم اتباعه.. مع الأسف ان العدید من الشعوب الإسلامية مازالت لاتميز بين الإسلام الأميرکي والإسلام المحدي الأصيل.. إن توعية الشعوب و إظهار حقيقة وجود قراءات مختلفة للمکتب والدين الواحد يعد من الواجبات السیاسية المهمة..  [۷] ویری الإمام الخميني بأن السبیل الوحيد لتحقيق السعادة والتقدم في کافة جوانب الحياة هو معرفة الإسلام الأصیل، إذ يقول: إن معرفة الإسلام الأصیل تقودنا إلی بناء مجتمع متقدم يتسم بوفرة المواهب والتقوی والعدالة الاجتماعية. [۸]؛ «إن الإسلام وبتنظيم النشاطات المادية یمهد الطريق للکمال المعنوي»(لکي یتمکن الإنسان من بلوغ أسمی درجات الکمال المعنوي). [۹] ؛ «نحن نؤمن بأن المکتب الوحيد الذي یمکنه أن ينهض بالمجتمع ويسیر به نحو التقدم هو الإسلام… إذا أراد العالم الخروج من الأزمات العدیدة التي يعاني منها في العصر الراهن؛ لابد له من التوجه نحو الإسلام.» [۱۰] وعلیه، تحدث الإمام الخميني في أکثر من مناسبة وخلال خطاباته ورسائله؛ تحدث عن ضرورة التمییز بين الإسلام الأصیل والإسلام المزيف فقد ظلّ يلحّ علی طرح هذه القضية والاهتمام بها.. کان الإمام یؤکد علی ان العمل علی معرفة الإسلام المحمدي الأصیل للتمیز بينه وبين الإسلام الأمريکي، يعد من الواجابات السیاسیة المهمة التي لابد من الاهتمام بها؛ فکان يقول: بإن الله سوف نقوم-علی قدر استطاعتنا- بتوعية الشعب الإيراني وابناء العالم الإسلامي.. کما سنقوم بتعريف الإطار الصحيح للإسلام المحمدي الأصيل..کما سنقوم برسم طريق النضال ضد النفاق والخداع للمسلمين خاصة الشباب في بلادنا.. [۱۱]وفي موضع آخر قال: العصر الحالي هو عصر المواجهة؛ أي مواجهة القوی التي ترید إعادتنا إلی الوراء وعصر العبودية.. لاسمح الله لو تمکن هؤلاء من تحقيق أهدافهم هذه المرة، سوف تکون نتائج ذلک مختلفة عن السابقم.. إنهم یسعون إلی القضاء علی أصل الإسلام لأنهم استوعبوا بأن الإسلام یمکنه ان يتقدم کما انه يمتلک القدرة علی المواجهة… بالعمل بهذا فرض وتکلیف واجب علی الجميع.. إن الحفاظ علی الإسلام الأصیل یعد أهم الفرائض والتکالیف؛ أي ان الحفاظ علی هذه الشريعية أهم وأولی من الحفاظ علی أحکامها؛ فالأساس هو الإسلام أما الأحکام فتبع له.. واجب علينا وعلیکم المساهمة في هذه المواجهة علی قدر استطاعنا.. وينبغي علینا ان نعمل بجدية ونضطلع بهذه المهمة بشکل مؤثر.. [۱۲] وفقاً لآراء الإمام الخميني، من أهم واجبات المسلم في الوقت الراهن هو القيام بتعريف الإسلام الصحيح والعمل علی توعية الآخرين وتمکينهم من التمییز بين الإسلام الأصيل والإسلام المزيف. وعلیه کان الإمام يؤکد ضرورة عزل التعاليم الإسلامية الأصيلية من التعاليم التي يروج لها الإسلام الأميرکي ثم علینا القيام بنشر هذه التعاليم وتعریف المستضعفين بها. [۱۳]  وعلیه «یجب معرفة الإسلام کما هو ولیس کما يقوم بعض المتحايلين(من الملبسين بلباس الدين) بتعريفه..» [۱۴] وفي هذا الخصوص کان یؤکد علی الدور البارز الذي یمکن أن يؤديه القادة، والعلماء ورجال الدين والمفکرين وطلاب الجماعات في البلدان الإسلامية إذ قال: يجب ان نقوم بتعریف الإسلام کما هو(أي إظهار حقيقة الإسلام)؛ فهذا فرض واجب علی الجمیع.. الذين يتولون زمام الأمور والذين يتولون مناصب إدارية أو تتعلق بتقرير السياسات من واجبهم العمل علی محاربة الفهم المغلوط للإسلام.. یجب تخصيص برامج إذاعية تهتم بتعريف الإسلام الصحيح.. في هذا المجال يجب الاستعانة بالعلماء للحصول علی الحقيقة..  [15-16] إذن لابد للعلماء والمفکرين والباحثين من العمل والدفاع عن الإسلام وانقاذه من حالته المأزومة..  [۱۷]

وفقا لأفکار الإمام الخميني(رض) وآرائه، اننا لو تمکنا من تطبيق الإسلام الصحيح سوف تزايد عدد اتباع الدين الإسلامي في کافة أرجاء العالم؛ یقول الإمام: اعملوا علی نشر الإسلام.. اعملوا علی نشر ثقافة عاشوراء.. لو قمنا بتعریف الآخرين بالقيم والنظام الاجتماعي والرؤی الکونية وأصول وأحکام الشرعية الإسلامية؛ سوف يتقبل العدید منهم أحکام الشريعة الإسلامية بصدر رحب. إن الله يعلم بأن أعداد کبیرة راغبة في اعتناق الإسلام.. [۱۸] إن أول خطوة باتجاه معرفة الإسلام الأصیل إلی جانب محاربة الإسلام المنحرف أو الإسلام الأمريکي کما أطلق علیه الإمام الخميني(رض)؛ هي تحدید أوجه الخلاف بينهما وکذلک تحدید الخصائص التي يتمیز بها کل من الإسلام الأصیل والإسلام المنحرف. «إن سبیل مواجهة الإسلام الأميرکي معقد للغاية.. لابد من إنارة هذا الطريق لکافة المسلمين.. مع الأسف الشدید مازالت بعض الشعوب الإسلامية لاتميز بين الإسلام الأميرکي والإسلام الأصیل.. يجب توعية الشعوب.. هذه الخطوة تعد من الواجبات السیاسية المهمة. » [۱۹] وعلیه یمکن القول إن من أهم واجبات اتباع الإمام الخميني(رض) في العالم الإسلامي هي العمل علی توعية الشعوب والعمل علی تبيين الفرق بين الإسلام الأميرکي والإسلام الأصیل، فتبيين خصائص الإسلام الأصيل يعد بمثابة مقدمة لتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية. [۲۰] لاشک انه لو تم تطبيق الإسلام الصحیح في الدول الإسلامية؛ سوف يتم إعادة احیاء النشاط والفاعلية لأحکام الشريعة کما کانت علیه في زمن النبي الأعظم(ص). إن تطبيق الإسلام الصحيح یساهم في اعتماد قراءة واحدة وثابتة للإسلام لاتدع أي مجال لظهور تفسیرات مغلوطة لهذه الشريعة السماوية.

3-أنصار الإسلام المحمدي الأصیل

إن أتباع الإسلام الأصیل وفقاً لفکر الإمام الخميني(رض) هم عبارة عن: الروحانية الأصيلية والملتزمة، وطبقة الحفاة، والمضطهدين، والمحرومين من المشارکة في الحیاة السیاسية، والفقراء في کافة أنحاء العالم. يقول الإمام: من الأولويات التي ينبغي الترکیز علیها قبل کل شيء هو الحفاظ علی أصول الإسلام الصحيح؛ أي الإسلام الذي تحمل رایته طبقة الحفاة، والمضطهدين والفقراء في کافة أنحاء العالم. [۲۲] وفيما يلي سنقف قلیلا عند الحديث عن اتباع الإسلام الصحیح بشيء من التفصیل:

3-1 المستضعفون والمضطهدون

الإمام الخميني اعتبر طبقة المستضعفين والمضطهدين بمثابة عناصر رئيسية في جبهة الإسلام الأصیل. کان الإمام یری بأن الطبقة المضطهدة والمستضعفة هي من یطلق شرارة الثورة ضد الباطل وهي من يقودها، وهذا ما حدث بالفعل في الثورة الإسلامية الإیرانية[۲۳]: إن طبقة الفقراء والمضطهدين والمهمشين تقف في مقدمة الصفوف؛ فهذه الطبقة هي من ساهم في انجاح الثورة ودفعها نحو الانتصار.. الفقراء والمضطهدين والمهمشين هم من تنازلوا عن کل شيء في سبیل الدفاع عن الإسلام.. [۲۴]

الإمام الخميني کان يؤکد بأن انتصار الثورة الإسلامية کان مرهوناً بتضحيات وضمود وجهاد الطبقات المحرومة في المجتمع: «إن انتصار الثورة واسقاط نظام الشاه وقطع يد أعوانه ومنعهم من التلاعب بمقدرات جاء البلاد جاء نتيجة دعم وتضحيات الطبقة المحرومة» [۲۵]

إن هذه الطبقة سوف تبقی وفية ومخلصة للثورات، وبناء علی هذا يمکن القول إن الأصل الثابت والذي لایتغیر بالنسبة للجمهورية الإسلامية والثورة الإسلامية هو الدفاع عن المستضعفين والمطالبة باستعادة حقوق الفقراء في کافة المجتمعات البشرية. [۲۶] إن الطبقة التي عاشت الحرمان والفقر ستبقی ثابتة على موقفها.. [۲۷] الإمام الخميني أکد علی ان الطبقات المضطهدة والمحرومة هي الطبقات الأکثر صرامة في مواجهة الدعداء والتاريخ أثبت ذلک. ان هذه الطبقة وانطلاقا من ايمانها، تقف بوجه الأعداء بأيادي خالية وتضحي بکل ما تمتلک.. إن غالبية انصار الثورة الإسلامية هم من الطبقة المحرومة..  [۲۸] وفي موضع آخر، عد الإمام الخميني، الطباقات الدنیا والمزارعين والعمال و… بماثبة العناصر الرئيسيين للثورة الإسلامية؛ « إن طبقة العمال (الطبقة الكادحة) هذه، وطبقة المزارعين وأصحاب المحال التجارية، والمضطهدين الذين في الجامعات… هؤلاء هم من دعم الثورة وساهم في تقدمها.. [۲۹]

یری الإمام الخميني بأن شعار الإستقلال والحرية الذي يعد أهم مطلب وهدف کان یتبعه الشعب الإيراني من خلال ثورته الإسلامية؛ تحقق عبر الجهود الحثيثة التي بذلت من قبل المضطهدين؛ «من أين لنا هذا الاستقلال الذي قطع يد الأجانب عن بلادنا؟ ألم يکن الحفاة والمهمشين والجامعيين المضطهدين وباقي ابناء الشعب حيث اجتمعوا وثاروا ودعموا النهضة وحررونا؟ ان هؤلاء هم من حطم ذلک السد الذي لم يكن أحد يتخيل بأنه قابل للتحطيم» [۳۰]

وفقاً للدور البارز الذي لعبته الطبقة المستضعفة في انتصار الثورة الإسلامية وإقامة الجمهورية الإسلامية في إيران؛ لقد أوصی الإمام الخميني بضرروة الإهتمام بالطبقة الکادحة أکثر من باقي الشرائح وطباقت المجتمع؛ «في سبیل خدمة الناس، خاصة الشرائح والطبقات المستضعفة، لاينبغي ان تأخذکم العزة والغرور، لأن هؤلاء هم الأفياء للإسلام وهم أنصار الجمهورية الإسلامية.»[۳۱]

إن نظام الجمهورية الإسلامية الذي أقيم نتيجة جهود وکفاح المستضعفين والمضطهدين؛ هو في الحقيقة حکومة الطبقات الدنیا؛ ان الجمهورية الإسلامية هي حکومة المستضعفين والمحرومين؛ أي غالبية مسؤولي الجمهورية الإسلامية هم من الطبقات المحرومة وهذا ما اعتبره الإمام الخميني ضمن النعم: …من نعم الله سبحانه وتعالی علینا هي ان حکومتنا مکونة من المستضعفين والمحرومين.. کافة المسؤولين في البلاد هم من الطبقة المحرومة، فرئیس الجمهورية ورئیس البرلمان والوزراء و..الخ کلهم من الناس العاديين..  [۳۲] يؤکد الإمام الخميني بأن حکومة المستضعفين والمضطهدين تتمیز بمواصفات تمیزها عن باقي الحکوما منها: 1- إن غالبية مسؤولي هذه الحکومة هم من الطبقة الدنیا. إنهم عاشوا حياة بسيطة وعاشوا الفقر والحرمان لذا فانهم يدرکون معنی الفقرا، وهذا ما سیسهل علیهم عملية مساعدة الفقراء والمحرومين وتلبية مطالبهم.. هذه الميزة ستعزز العلاقة بين المسؤولين والطبقات الدنیا.. في هذه الحالة تشعر طبقة الفقراء بأن السلطة تحتضنها وتهتم بمطالبها لمعرفتها التامة بمطالب هذه الطبقة و تطلعاتها. في الجهة المقابلة، يقع الأعيان والأشراف الذين عندما يسیطرون علی السلطة يلتزمون الصمت تجاه الظلم والاستبداد خوفاً علی مصالحهم؛ انهم وبدلاً من مکافحة الظلم والسعي لتحقيق العدالةريال يقومون بانتهاج سیاسات ظالمة لمن يقع تحت امرتهم من الطبقات المضطهدة.

2-إن حکومة المحرومين لاتهاب القوی العظمی ولاتستسلم أمام إرادتها، لذا فانها سوف تظل تقارع الظلم والاستبداد بکل قوة. لکن الطغاة من المترفين والأعيان عندما يتولون السلطة سوف یخضعون لإرادة القوی العظمی الاستعمارية خوفاً من فقدان السلطة وسقوط انظمتهم؛ ان حکومة کهذه تلتزم الصمت أمام الظالمين والمستبدين الأجانب و تمارس على مواطنيها أقسى أنواع الاستبداد والطغيان.. إن حکومة محمد رضا البلهلوي والتي تعد حکومة طبقة الأعيان والأشراف، کانت عاجزة عن مواجهة تدخلات القوی الأجنبية -وعلی رأسها ميرکا وبريطانيا- في شؤون البلاد. 3- ما يميز حکومة المستضعفين هو انها مدعومة من قبل ابناء الشعب؛ فالشعب هو القاعدة الأساسية التي تقوم علیها هذه الحکومة. لذلک عندما تواجه الحکومة تحديات يسارع ابناء الشعب إلی تقديم الدعم لهذه الحکومة لکي تتمکن من التغلب هذه الأزمات، وهذا يعني ان کل حکومة تفتقد للدعم الشعبي سوف تنهار لامحالة. [۳۳]

إلی جانب الدور الفعال الذي لعته طبقة المستضعفين في الثورة الإسلامية؛ قام المستضعفون والمحرومون بتأدية دوراً کبیراً في الحرب المفروضة ضد إيران حيث قاموا بالدفاع عن الحق ومحاربة الباطل. وساهمت هذه الطبقة في الثورة الإسلامية مساهمة فعالة ودور بارز في النشاطات والفعالیات الثورية. في أکثر من مناسبة أشار الإمام الخميني إلی هذه الحقيقة حيث أکد بأن کل من شارک في الحرب المفروضة والثورة الإسلامية هم من الطبقات الضعيفة ولايوجد بينهم من الطبقة الغنية التي متلك السلطة والمال [۳۴]، ثم ان الجميع يعلم بأن جنود الإسلام هم من الطبقات المحرومة[۳۵]، فدور الطبقة الغنية والمترفة في الثورة کان أقل من الدور الاذي أدته الطبقة الفقيرة.. [۳۶] وفقاً لفکر الإمام الخميني(رض)؛ إن دفاع المستضعفين والمحرومين عن الإسلام بدأ من ظهور هذا الدين الحنيف. النبي الأعظم(ص) کان من الطبقة المستضعفة، کما انه عول علی هذه الطبقة في نشر الشريعة الإسلامية؛ فالطبقة المستضعفة قامت بنصر الدين الإسلامي منذ ظهوره؛ : ان کافة الأديان السماوية قادها المستضعفون ضد الطغاة والمستکبرين. علی مر التاريخ، قام المستضعفون بنصر الرسل والأنبیاء.. في الإسلام ایضا، نهض نبينا الکريم(ص) من بين طبقة المستضعفين، وبمساعدة هذه الطبقة تمکن من توعية الطغاة وانتصر عليهم.. للمستضعفين حق علی کافة الأديان والشرائع الإلهية. للمستضعفين حق علی الإسلام لأن هؤلاء هم من نصر الإسلام علی مر تاريخه الذي یمتد إلی 1400 سنة.[۳۷] يقول الإمام: إن هذه الطبقة لاتعمل من أجل الحصول علی مقابل فدافعها للعمل هو طلب ثواب الله، والقصد من ورائه امتثال أمره تعالى؛ انها تريد أن تأخذ اجرها من الله….ونحن في خدمة هذه الطبقة.. [۳۸]

2-3 علماء الدين والروحانية الأصيلة والملتزمة

کان الإمام الخميني(رض) يؤکد بأن علماء الدين والروحانية الأصيلة والملتزمة هي من قاد الثورة لإحیاء الإسلام المحمدي الأصيل[۳۹]: .. إن نهضة إيران المقدسة التي يبدأ تاريخ إزدهارها تظاهرات 5 يوليو 1963 في إيران(تظاهرات ۱۵ خرداد) خي نهضة اسلامية بحتة اطلقها علماء الدين وساندهم الشعب الإيراني العظيم وقادتها الروحانية الأصيلية من دون الإعتماد على جهات محددة.. ان هذه النهضة الإسلامية استمرت وسوف تستمر بعيداً عن أي وصاية خارجية لأنها اسلامية وتقودها الروحانية الأصيلية..  [۴۰]

ویعتقد الإمام الخميني بأن الثورة يجب ان تقاد من قبل الروحانية الأصيلية؛ فالثورة لايمکنها ان تنتصر وتتقدم إذا أخذت بعض الجهات(من الملبسين بلباس الدين کذبا وزورا) بزمام المباردة.. وتصريحات الإمام هذه تشیر إلی طائفة من رجال الدين الملبسين بلباس الدين لکنهم يعملون في اتجاه خدمة مصالح القوی الاستعمارية المعادية للإسلام والمسلمين. [۴۱] لاشک ان الروحانية الأصيلة تواجه أي خطوة تشکل خطورة للإسلام. انها وفي ساحات المواجهة تقف في المقدمة.. لکن في المقابل، يقوم رجال الدين من الملبسين بلباس الروحانية کذبا وزورا بالعمل ضد الإسلام ومصالحه. انهم يقومون باتخاذ خطوات تمهد الأرضية لإستهداف الإسلام. هذه النقطة التي تميز بين نشاط الروحانية الأصيلية و المنافقين الملبّسين بلباس الدين كذبا وزورا؛ الذين يرفعون العناوين والشعارات البرّاقة لخديعة الناس. [۴۲]

إن الروحانية الأصيلة تواجه أطماع القوی الاستعمارية ولاتسمح للقوی الأجنبية بالتدخل في شؤون البلاد. في الجهة المقابلة يعمل بعض المتحايلين والمتظاهرين بالدين في المسار الذي يخدم مصالح القوی الاستعمارية.. انهم يعملون علی تمهید الأرضية لتواجد هذه القوی داخل البلاد؛ «إن الإسلام والمذهب الجعفري يشکلان سداً منيعاً أمام الأجانب والجهات التابعة لهم-یساریون کانوا أم يمينيون- أما الروحانية-وهي الجهة المدافعة عن هذا الدين- تعد سداً منيعاً بوجه مخططات الأجانب، فالروحانية تواجه العدو وتمنعه من تمریر مخططاته في الدول الإسلامية وإيران.. لهذا السبب تخطط  الجهات المعادية بأشکال مختلفة ومنذ عدة قرون لکسر هذا السد المنيع.»[۴۳]

إن رجال الدين الحقيقيين لايهابون الموت والشهادة في سبیل الإسلام بل تجدهم في المقدمة لخوض غمار المعرکة دفاعاً عن الإسلام.

استشهد العدید من رجال الدين خلال انتفاضة 15 خرداد[1]؛ وهي الشرارة الاولى لانتصار الثورة الاسلامية في إيران. يشیر الإمام الخميني(رض) إلی هذه القضية ويصرح: عليکم ان تبحثوا عن هوية الذين استشهدوا في سبیل انجاح الثورة(قبل وبعد انتصارها).. انهم من رجال الدين وطلبة الحوزات العلمية.. انهم قدموا ارواحهم في سبیل محاربة ظلم الشاه واستبداده..  [۴۴] في الحرب المفروضة التي شنت ضد إيران واستمرت 8 سنوات؛ غالبية الشهداء والمعاقين کانوا من رجال الدين. لقد أشار الإمام إلی هذه الحقيقة ایضا وقال:.. ان عدد رجال الدين الشهداء في الحرب المفروضة کان أکثر من باقي الفئات.. إن عدد طلاب العلوم الدينية الذين استشهدوا في الحرب المفروضة ناهز 2500 طالب، الأمر الذي يؤکد استعداد الروحانية للدفاع عن الإسلام والنظام الإسلامي.. [۴۵]

خلال سنوات الثورة الإسلامية؛ وجهت العدید من التهم لعدد کبير من رجال الدين المخلصين، وهي تهم وافتراءات وجهت من قبل المتحايلين والمتظاهرين بالدين(المنافقين والدجالين والملبّسين بلباس الدين كذبا وزورا والذين يرفعون العناوين والشعارات البرّاقة لخديعة الناس) التابعين للقوی المعادية؛ لکن هذه الافتراءات لم تمنعهم من ممارسة النشاط ومواصلة الطريق؛ إنهم استقاموا وصمدوا أمام مؤامرات الأعداء وفي نهاية المطاف انتصروا علی الباطل. [۴۶]

3-3 الشعوب الحرة وأصحاب النفوس الطيبة النزيهة

الإنسان يميل نحو الدين بالفطرة، فهناک قوة جاذبة بداخل الإنسان تهديه نحو مبدأ الخلقة وخالق الکون. روح الإنسان وفطرته تدفعه نحو الاهتمام بالقيم الإنسانية بعيدا عن الأشیاء التي تحقق مصالحه ومطالبه المادية؛ فالإنسان يتحرک بفطرته نحو الکمال الأخلاقي والمعنوي. تعد هذه الحاجة إلی جانب عبادة الله واحیاء الشعائر الدينية، من أقدم الحاجات التي طالما سعی الإنسان نحوها.. .[۴۷]

الإمام الخميني يؤکد اهمية فطرة العباد علی توحید الله..؛ إذن الفطرة هي الدين وکافة المعارف الدينية الکامنة التي جبل عليها الإنسان. وعلیه یمکن القول إن السبیل الوحيد لتحقيق السعادة هو صون القوی الإنسانية من الشیطان وترويض النفس وتربيتها علی التعاليم والمعارف المحمدية، حتی تتمکن من تجاوز عالم الطبيعة وتسیر نحو الوحدة الربانية والفيض المقدس والرحمة الواسعة والفقر المطلق والاسم الأعظم والولاية والمطلقة المحمدية [۴۸] لذا یری الإمام الخميني ان أحد أهم ممیزات فطرة الإنسان، هو اتباع الأحکام الإلهية وهي الواجبات الدينية، وفي الجهة المقابلة تقع الشهوات والملذات وهوی النفس التي تعد بمثابة أدوات تقود الإنسان نحو الإسلام الأميرکي. إن أصحاب النفوس الزکية والشعوب الحرة تسیر نحو الطرق الذي یؤدي إلی الإسلام الأصیل. لاشک ان الدعایات والتعاليم المزيفة التي تروج لها القوی الاستعمارية تبعد الإنسان عن فطرته، لکن أصحاب النفوس الطيبة النزيهة سيستمرون بالبحث عن الإسلام الصحيح حتی يجدونه وهذا ما أکد علیه الإمام الخميني(رض) في العدید من خطاباته.

 

4-الداعمون للإسلام الأميرکي

في فکر الإمام الخميني توجد عدة جهات يمکن إدخالها في خانة الداعمين للإسلام الأميرکي من أهم هذه الجهات هم: المترفون، والرأسمالیون، والمتحايلون والمتظاهرون بالدين(الملبّسين بلباس الدين كذبا وزورا) والمنافقون، وجماعة انجمن حجتيه و..الخ.

۴-۱٫ المنافقون

يعد النفاق من أقبح الرذائل الأخلاقية لأنه يؤثر سلبا علی الحياة الفردية والحياة الاجتماعية خاصة في المجالات السیاسية والاخلاقية والعقدية.[۴۹] لاشک ان المنافق لايختلف عن الکافر في عدم الإيمان ورفض کل ماهو ديني. والمنافق هو من يخفي کفره لکنه يتصرف وکأنه مسلم.. ينقسم المنافقين من حيث الدوافع والأهداف إلی عدة أقسام: هناک من أراد الحصول علی حصة من الغنائم(بعد الفتوحات الإسلامية) فأعلن إسلامه کذبا وزورا. وهناک من خاف علی ماله وممتلکاته فأصبح مسلماً في الظاهر. وهناک من أراد ضرب الإسلام من الداخل فآمن وأعلن إسلامه(في الظاهر). وهناک من ولد علی الإسلام لکنه لیس بمسلم… وللنفاق بمعناه الأخير مصاديق کثيرة في العصر الحالي.. من جهة ثانية، يمکن تقسيم المنافقين إلی قسمين: منهم من ورث النفاق عن أهله وأقاربه(کبعض اليهود والمسيحيين). إن هؤلاء یتظاهرون بالإسلام لکنهم لم يؤمنوا به.. انهم ورثوا النفاق وأخذوا يعملون ضد مصالح الإسلام والمسلمين. ومن المنافقين من حق الإيمان بالله لکنهم لاحقاً اصیبوا بالشک.. ان هؤلاء وبهدف الحفاظ علی مصالحهم، فضلوا إعلان ارتدادهم عن الإسلام؛ فالنافق في الحالة الأولی نفاق رئيسي وفي الحالة الثانية عارضي.[۵۰]

إن الإمام الخميني عد المنافقين من اتباع الإسلام المزيف.[۵۱] تعد مفردة النفاق من المفردات التي ابتعدها القرآن الکريم للدلالة علی من يتظاهر بشيء ويؤمن بشيء آخر. ويتمتع المنافق بقدرة علی کتم مافي صدره والتظاهر بشيء لايؤمن به، لذلک من الصعب معرفة الشخص المنافق.  [۵۲]

إن الاستعمال الخاص لمفردة النفاق في القرآن يعني ان الشخص يتظاهر بالإسلام، وفي الباطن يحمل الكفر..[۵۳] وفي سورة البقرة، يذکر الله سبحانه وتعالی بعض مواصفات المنافقين بوصفهم مصدر تهدید للمجتمعات المؤمنة.[۵۴] يقول الله تعالی في شورة البقرة: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ/يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ/فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ/وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ/أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ/وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ/وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُو} [۵۵]و[۵۶]

إن الإمام الخميني(رض) استند إلی الآیات القرآنية لتبيين المخاطر التي یشکلها المنافقون والکفار علی المجتمعات الإسلامية، نظرا إلی ان القرآن الکريم لقد تحدث في أکثر من موضع عن الکفار والمنافقين بحیث خصص سورة کاملة للحديث عنهم. المنافقون يعملون ضد الإسلام تحت غطاء إسلامي. يقول الإمام الخميني: المنافقون أسوأ من الکفار. من يعلن بأن مسلم ثم يقوم بالعمل ضد الإسلام هو من ذمه القرآن الکريم أکثر من أي شخص آخر.. توجد سورة للمنافقين لکن لاتوجد سورة للکفار.. لقد ذکرت أوصاف المنفاقين في هذه السورة..  إن الإسلام وعلی مر تاريخه ابتلی بوجود أشخاص منافقين. في صدر الإسلام کان عددهم کبیر. في فترة حکومة الإمام علي(ع) کانت أعدادهم کبیرة.. کذلک الأمر بالنسبة لزمن النبي الأکرم(ص).. فالناق هو من المصائب التي واجهها الإسلام علی مر تاريخه.. [۵۷]» إن الضربات التي وجهت للإسلام من جانب المنافقين کانت أعنف وأشد من الضربات التي وجهها الکفار للإسلام والمسلمين. الکفار کانوا یحاربون الإسلام جهراً وعلانية علی العکس من المنافقين الذين کانوا یعلنون إسلامهم في الظاهر لکنهم یعملون ضد الإسلام وأهدافه في السر والخفاء.[۵۸] روی عن النبي(ص) ان المنافق هو من يتظاهر بالإسلام وحبه للمسلمين ، ويبطن عكس ذلک.[۵۹]. کان الإمام الخميني(رض) يؤکد علی ضرورة التمييز بين ظاهر هؤلاء وباطنهم. کان يقول:«..أقلامهم وخطواتهم للإسلام، لکن خلف الستار يعملون ضده، فخلف الستار یقومون باتخاذ مواقف مناهضة للإسلام…[۶۰]؛ ..إن هؤلاء ظاهرهم مع الإسلام لکن قلوبهم لیست مع الإسلام وان قاموا بتأدية الطقوس الدينية کالصوم والصلاة.. لاشک ان معرفة هؤلاء وکشف حقيقتهم هي عملية عسیرة.. [۶۱]

من أبرز مواصفات النفاق هي عدم مطابقة الأقوال والأفعال. في وصفه للمنافقين؛ يقول الإمام علي(ع): المنافق أقواله حسنه وأفعاله قبيحة.. [۶۲]. ويقول عليه السلام: المنافقون يحسنون انفسهم بالکذب.. [۶۳] وقال ایضا: المنافق لسانه يفرح وقلبه يحزن.. [۶۴].‏

وفقاً لآراء الإمام الخميني(رض)، ان أحد أبر المواصفات التي یتمیز بها المنافق هو عدم التطابق في الأقوال والأفعال؛ «من هو المنافق وماهي مواصفاته؟ قسم من المنافقون الذين عاشوا في زمن صدر الإسلام کانوا يقولون بأنهم اسلموا خلافاً لما کانوا يزعمون.»[۶۵] يؤکد الإمام الخميني بأن الاختلاف بين الأقوال والأفعال هي صفقة لاتختص بالشخص المنافق فحسب، بل انها يمکن ان تتحول إلی صفة لحکومة أو شعب بأکمله. لذا يمکننا ان نجد أمة أو حکومة منافقة.[۶۶] علی سبیل المثال بما ان الشعب الإيراني صوت للجمهورية الإسلامية لاينبغي له التنازل عن القيم الإسلامية… إن السلوکيات المغايرة للأحکام الإسلامية تؤدي إلی النفاق.. فمن يتمسک بالقيم التي کان يروج لها نظام الشاه فهو منافق… [۶۷] قائد الثورة الإسلامية، اية الله الخامنئي ایضا یؤکد بما اننا قد اخترنا النظام الإسلامي لذا لابد لنا من إدارة کافة شؤون البلاد علی أساس الشريعة الإسلامية. يقول سماحته: .. إذا ادعينا بأن حکومتنا حکومة علوية، فلابد لنا من التمسک بقيمها.. فلو أردنا اتباع المفاهيم السیاسية التي تروج لها الحکومات في الغرب والشرق نکون قد قررنا السیر علی نهج العثمانيين وبني أمية وبني العباس؛ لقد کانت تسمی حکومات إسلامية لکنها في العمل کانت تسیر علی نهج القیاصرة والأکاسرة والملوک..کيف يمکن لحکومتنا أن تکون علوية لکنها تريد السیر علی نهج الرأسمالية الغربية والحکومات المستبدة ؟ لاشک ان ذلک هو النفاق بعينه. کيف يمکننا ان نرفع راية الإسلام وفي العمل نسیر تحت رأية آخری؟!.. [۶۸]

لقد بيّن الله في القرآن الكريم صفات المنافقين. للنفاق انواع مختلفة. النفاق يعني التظاهر بعكس ما يبطن. والنوع الثاني هو التبعية والتضامن مع الجهات المارضة للإسلام. وينقسم النفاق في حالته الثانية إلی قسمين: فردي وجماعي. لقد عبرت الآیات القرآنية عن القسم الأول بالمرض في القلوب، والتذبذب والانحراف وإزدواجيّة الشخصية (النساء:۱۴۳؛ التوبة: ۷۷-۷۵) وعبرت عن القسم الثاني بالمجموعات والمخادعة. (آل­عمران:۷۲؛ التوبة:۷۴-۱۰۷؛ الحشر:۱۱).

یری العدید من المحققين بأن النفاق ظهر بعد مجيء الإسلام فبدايته کانت عبارة عن شکوک و اخفاء المعتقدات والازدواجية في السلوکيات، ثم وبالتزامن مع الهجرة تحول إلی ردود أفعال جماعية للحفاظ علی المصالح، ومن ثم تحول إلی تیارات منتظمة. [۶۹]

يتضح من خلال بعض الآيات التي تتحدث عن الاجراءات العدوانية للمنافقين کمحاولاتهم الرامية لبث الفرقة بين المؤمنين ومؤامراتهم لاغتیال النبي والانقلاب عن النظام الإسلامي وتشجيع اهل الکتاب علی القتال ضد المسلمين؛ ومن خلال الآیات التي أمرت النبي(ص) بملاحقة المنافقين وقتالهم؛ يمکن القول إن النفاق قد تحول-في تلک الفترة- إلی تیار منتظم.[۷۰] القسم الثالث للنفاق يشتمل علی نوعين: نفاق داخلي ونفاق خارجي. ویری بعض المفسرين بأن بعض الآيات(کالآية 167 من سورة آل عمران والآية 90 من سورة النساء) تدلل علی ان النفاق لم یظهر علی هيئة واحدة بالنسبة لفئة من الأفراد. إذن عندما نعود للتاريخ الإسلامي نری بأن هؤلاء تابوا في نهاية المطاف وانضموا إلی صفوف المسلمين. لکن بعض الآيات تدلل علی ان النفاق أصبح صفة ثابتة وملازمة لبعض المنافقين. (التوبة: ۷۷-۱۰۱-۱۱۰؛ النساء: ۱۳۷).[۷۱]

الإمام علي بن ابي طالب(ع) قسم النفاق إلی أربعة أقسام: الأهواء النفسية، والتقاعس، والغضب والطمع. ويقوم الإمام عليه السلام بتبيين کافة هذه الأنواع ويقول(الترجمة بتصرف): المطامع والشهوات تدفع الإنسان نحو الظلم والاستبداد والطغیان والانجراء وراء المزالق.. التقاعش والتساهل يؤدي إلی ان يصاب الإنسان بالغفلة وعدم محاسبة النفس.. الغضب له علاقة بالغرور لدی الإنسان المنافق.. والطمع يدفع الإنسان نحو طلب المزید من الملذات..

[۷۲]

وفقاً للآیات القرآنية التي تتحدث عن النفاق يمکن القول إن هناک ستة أسباب تؤدي إلی ولادة النفاق في نفوس الأفراد:

1-الطمع والجشع: من ابرز الدافع التي تدفع الشخص المنافق لتقبل الإسلام في الظّاهر فقط دون الباطن هو الطمع والجشع وحب المادیات التي يحصل علیها من خلال انتسابه للإسلام.

2-الخوف: يتجنب الشخص المنافق الإعلان عن کفره خوفا عن مصالحه الشخصية؛ فهؤلاء يعلنون اسلامهم(في الظاهر) حرصا على مصالحهم.

3-التعصب والاصرار علی عدم تقبل الحق: يعد الاصرار غیر المبرر علی معتقد خاص من أهم الأسباب التي تمنع الشخص من تقبل الحق ورفض الباطل. إن هذه الصفة يمکنها ان تدفع الشخص نحو النفاق. يعد نفاق أهل الکتاب(اليهود) من أبرز الأمثلة علی الاصرار علی عدم تقبل الحق حیث کان اليهود يصبحون مسلمين ويمسون مرتدين عن الإسلام.

4- الفوضوية والتخلي عن المسؤولية. عدم القدرة علی إتخاذ القرار وعدم امتلاک رؤية لتحدید الأهداف يؤديان إلی الضياع والفوضوية وعدم الاهتمام بالقضایا المصيرية. إن هذه الروح وهذا الانطباع يدفع الشخص نحو تقبل کافة المعقتدات وتقبل الحق والباطل في نفس الوقت الأمر الذي يخلق حالة نفاق لدی الشخص.

5-التشويش علی الأنبياء وعرقلة جهودهم وحرف رسالتهم. يتضح من خلال بعض الآيات القرآنية، ان جميع الأنبیاء والرسل واجهوا مجموعات من الأفراد الذين عملوا علی تشويش برامجهم وقاموا بعرقلة جهودهم إلی جانب قيامهم بخطوات لتحريف ما بلغه الأنبياء؛ انهم کانوا مؤمنين في الظاهر خلافاً للباطن.

6- بث الفرقة بين المسلمين: يعد استغلال الدين کغطاء من أنجح الطرق للنيل من الإسلام واستهدافه، فهذه الطريقة(الاستقلال الديني) هي أفضل طريقة يمکن من خلالها بث الفرقة وانقسام بين المسلمين بنقاب الإيمان والدين؛ يعمل المنافقون علی ضرب الدين بأنوال الوسائل والطرق، ونتيجة لذلک يقومون بنشر المعتقدات والأفکار الدخيلة المزيفة في المجتمعات الإسلامية. [۷۳] إن المنافق وبسبب إزدواجيته يساهم في بث الفرقة بين المسلمين. بعض المسلمين ينخدعون بالايمان الظاهري للمنافقين، لکن البعض منهم يعمل علی کشف الحقيقة عبر اتخاذ مواقف مشادة مضادة لمواضف المنافقين.. لقد حدثت هذه الفرقة بين المسلمين بالفعل، فالقرآن الکريم يذم الذين انخدعوا ولم يحاربوا المنافقين. قال تعالی: قال تعالی: {وَمَن يُضلل الله فلن تجد له سبيلاً } [۷۴]. وکان الإمام يؤکد بأن غاية المنافقين هي إحداث شرخ بين المسلمين: «إن الهدف النهائي الذي یطمح المنافقون والفاسدون -في الداخل والخارج- إلی تحقیقه هو احداث شرخ بين ابناء الشعب، وهذا أکبر دلیل علی ضرورة الحفاظ علی الوحدة.»[۷۵] تکون حزب المنافقين بالتزامن مع تشکيل الحکومة الإسلامية. إن الحکومة الإسلامية التي أقيمت في مدينة النبي، کشفت عن الوجه الحقيقي للمنافقين الذين ازدادت اعدادهم يوماً بعد يوم. بعد واقعة غدير خم، ابتلی بعض المسلمين بالنفاق.[۷۶] کانت غاية المنافقين الجدد إسقاط نظام الامامة والقاء علیه. [۷۷] لقد سعت طبقة المنافقين(منذ صدر الإسلام حتی یومنا هذا) إلی منع المسلمين عن الحرکة نحو الحق عن طريق بمراوغتهم وخداعهم. [۷۸] إن آفة النفاق خطيرة تمس بالکرامة والقيم الإنسانية وستؤدي إلی السقوط الاخلاقي. لاشک ان النفاق یشکل خطراً کبیراً قد يکون مدمراً للمجتمع لأنه یمنع الأفراد من التضامن والتعاضد الاجتماعي. تعد مفردة النفاق في کلام الإمام علي(ع) مرادفة للشرک بالله وتساوي الکفر. ويمکن القول إن النفاق يجلب کل الآثار السيئة المرتبة علی الشرک والفکر.  [۷۹] يتوعد القرآن الکريم في آيتين المنافقين بأن لهم عذاب أليم. بشَّر الله تعالى المنافقين فقال: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا..} [۸۰]. الاتیان بالتبشیر في هذه الآية يعد بمثابة استخفاف بالمنافقين. وفي الآيات التالية قال تعالی: {..إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} (140)

آورد.»[۸۱].

إن عالم الحياة الدنیا هو عالم الظواهر. فکل اجتماع وکل انعزال في هذا العالم ظاهري؛ فربما يجتمع المنافق والمؤمن في العالم الظاهري، لکن الاجتماع الحقيقي هو الاجتماع في البواطن. دار الآخرة هوي عالم الباطن فلا يوجد مجال للظاهر هناک. وعلیه فان المؤمن الحقيقي مؤمن في الباطن وسيحشر في الآخرة مع المؤمنين وسيجتمع معهم. لکن المنافق کافر في باطنه، وبطبيعة الحال سيحشر الله المنافق مع المنافقين.  [۸۲]

وتبرز أهمية هذه الميزة في کون الإسلام ديناً کمالیاً[2] یطمح إلی إقامة مجتمع اسلامي. للإسلام في هذا المجتمع حضور فعال في کافة مجالات الحياة الاجتماعية والفردية. بالنسبة للإسلام، يعد ايمان افراد المجتمع واخلاصهم هو السبیل لتحقق الأهداف السامية. ويؤکد الإسلام علی تجنب النفاق والحذر منه وکذلک العمل علی منع تفشي هذه الظاهرة في المجتمع حتی لايتمکن البعض من استغلال الدين لتمریر أهدافهم ومخططاتهم تحت غطاء ديني. (الإسلام يحذر من الخطوات التي تحول النفاق إلی ظاهرة اجتماعية). [۸۳].

قائد الثورة الإسلامية، اية السید علي الخامنئي یری بأن أفضل طرقة لمواجهة النفاق، هي صيانة النفس والتمسک بالأصول الإسلام. فسماحته يؤکد علی الالتزام بالمبادئ والقيم والتعاليم الإسلامية، فعبر ذلک يتمکن المرء من التغلب علی الشهوات وهوی النفس.. فمن يتنازل عن القيم ويتجاهل الوعود التي قطعها علی نفسه، سوف يتغلب علیه النفاق وسيهيمن علی قلبه… [۸۴]

لقد تطورت الماديات والأدوات الخادعة في عصرنا الحالي الأمر الذي زاد من أعداد المنافقين.  [۸۵]  يعد نظام رضا خان ومحمد رضا بهلوي مثال بارز للنفاق في العصر المعاصر. إنهم(الأسرة الحاکمة) مسلمون وفي الظاهر تمسکوا بالأصول الدينية، لکنهم سیاساتهم وإجراءاتهم تساهم في تدمیر الإسلام… انهم وعبر التظاهر بالإسلام يقومون بنفي وتجاهل الأحکام الإسلامية واحدة تلو الأخرى. انهم يشوهون وينفون التاريخ الإسلامي المجید ویستبدلونه بتاريخ الظالمين والجببارة المستبدين؛ في إيران یتظاهرون بالإسلام لکنهم خلال مقابلاتهم مع وسائل الاعلام الأجنبية یعلنون بأن لاعلاقة للحکومة بالمذهب(الدين)  »[۸۶]

 

4-2 جماعة انجمن حجتيه

اسمها الکامل هو” انجمن خیریه حجتیه مهدویه”. عرفت بمعاعداتها للبهائية(أي کانت تعرف بمناهضتها للبهائية). تأسست الجماعة بالتزامن مع انقلاب 1953 في إيران(کودتای ۲۸ مرداد) [۸۷] علی ید الشيخ “محمود ذاکر زاده تولايي” المعرفو بالشيخ حلبي(۱۲۷۶-۱۳۷۶ه.ش). وساهم في تشکيل الجماعة کل من: السیدرضا آل­رسول، والسیدمحمدحسین عصار، والسیدحسین سجادی، وغلامحسین حاج محمدتقی، وهؤلاء معظهم کانوا تجار.[۸۸] للجماعة لجان مختلفة یشرف عليها أعضاء مجلس الإدارة. وهذه الجنان هي:

لجنة التدريس: يتمحور عملها حول استقطاب العناصر الشابة وتعليمهم. لجنة التحقيق: يتمحور عملها حول جمع الأخبار والمعلومات المتربطة بعناصر البهائية. لجنة الکتابة: تنشط في مجال الرد علی البهائية وابطال التعاليم التي يروج لها اتباع البهائية إلی جانب إثبات وجود الإمام المهدي(عج). لجنة الارشاد: تنشط في مجال تنظيم مناظرات وندوات حوارية بمشارکة انصار البهائية. تسعی هذه اللجنة إلی اظهار عجز البهائية وعدم قدرتها علی اثبات ادعاءاتها. لجنة العلاقات مع الخارج ولجنة المؤتمرات. إلی جانب النشاط في طهران، قامت الجماعة بتوسيع دائرة نشاطها ليشمل بعض المحافظات.  [۸۹] 

ثمة آراء متضاربة حول أسباب تشکيل هذه الجماعة. یری البعض انها ردت فعل علی البهائية وما تروج لها من أفکار ومعتقدات، وذلک عندما تنبه الشيخ حلبي إلی الخطر التي تشکله البهائية علی الإسلام. [۹۰] ويؤکد البعض-وهم أعضاء في الجماعة- بأن دوافع تشکيل الجماعة تعود إلی الرؤية التي شهدها الشيخ حلبي حیث زعم بأن رأی الامام المهدي عج في المنام[۹۱] وهناک من یری بأن البداية تعود إلی الفترة التي زادت فيها حدة الخلافات بين اية الله کاشاني ومصدق بسبب فشل نهضة تأميم النفط؛ فبالتزامن مع ذلک إزداد نشاط البهائية وتوسعت دائرة نشاطها. وخلال ذلک قام البعض-وبينهم رجال دين- باستقطاب الشيخ حلبي إلی دائرتهم.. وفمن هنا أخذ الشيخ حلبي يؤکد ضرورة الابتعاد عن السیاسة والاهتمام بالعمل الثقافي. بعد فشل النهضة، أصيب المجتمع باحباط، ما دفع البعض للبحث عن بدائل للخروج من حالة الاحباط وفقدان الأمل، لذا أخذوا ينضمون إلی التیار الجدید الذي قاده الشيخ حلبي.. وثمة من یری بأن تشکيل هذه الجماعة هو مخطط استعماري؛ فجانب نشاط من السیاسات الاستعمارية يتمحور حول تشکيل فرق وجماعات جدیدة ومتباينة. ومهما يکن من أمر ، لقد قام الشيخ حلبي عام 1957م  بالاعلان رسميا عن تشکيل الجماعة.[۹۲] أخذت الجماعة تطالب بضرروة فصل الدين عن السياسية وبذلک ضمت صوتها إلی التیار العلماني المتأثر بالثقافة الغربية. يحتوي ميثاق الجماعة علی فصل ومادتين و8 بنود بالإضافة إلی ملحقين؛ الأول يؤکد بأن هدف الجماعة لايتغیر حتی ظهور الإمام المنتظر؛ والثاني يصرح بأن الجماعة لاتتدخل في الشؤون السیاسية، وهي لاتتبنی أي موقف سیاسي صادر عن أحد اعضاءها..[۹۳] وعلیه قامت الجماعة بطرد کل من يهتم بالشؤون السیاسية. تؤکد الجماعة بان الإسلام هو شريعة للعبادة، لذلک لايليق برجال الدين الاهتمام بالقضایا السیاسية.[۹۴]. رؤية الجماعة للسیاسة هي نسخة طبق الأصل للرؤية العلمانية؛ فاتباع الجماعة واتباع العلمانية يعملان کطرفي مقص يرید قطع جذور النظام الإسلام.  [۹۵] ونظراً لتأکيدها علی ضرورة فصل الدين عن السیاسية؛ حصلت الجماعة علی دعم نظام الشاه. من جهة ثانية، استطاعت الجماعة ان تکسب تأييد بعض رجال الدينبعدما أعلنت تمسکها بأصول المذهب واتباعها(ظاهریا) للمرجعية. کل ذلک ساهم في توسع دائرة نشاط الجماعة في المدن الإيرانية الأخری، حيث کان اعضاء الجماعة يدیرون النشاطات(في المحافظات الأخری) عن بعد وخلال تواجدتهم في طهران.[۹۶] 

وفقاً لآراء الإمام الخميني(رض) يعد الاهتمام بالشؤون السیاسية من الواجبات الشرعية. کان الإمام يؤکد بأننا “مکلفون بالتدخل في القضایا والشؤون المختلفة. نحن مکلفون بالتدخل في الشؤون السیاسية؛ هذا فرض واجب علینا کما أمر النبي الکريم، وکما أمرنا امیرالمؤمنین.” [۹۷] وکان الإمام الخميني یری بأن الدعوة إلی فصل الدين عن السیاسية والتي ینادی بها اتباع انجمن حجتية ماهي إلا مؤامرة تهدف لضمان مصالح بعض القوی کأميرکا والاتحاد السوفيتي في الدول الإسلامية، أما بعض الأفراد في الداخل خُدعوا غفلة وبغیر علم أخذوا ینادون بضرورة فصل الدين عن السیاسية: .. کانوا یروجون واردوا اقناع الشعوب والمسلمین بأن السیاسية لیست من شأنکم لذا لابد للشعوب من الاهتمام بالشؤون التي تخصها لأن السیاسية تختص بالحکام. انهم یسعون إلی ابعاد الشعوب عن السیاسة حتی یتمکنوا من تمریر اهدافهم بسهولة.. انهم یریدون نهب کل مانمتلکه.. یریدون الحصول علی کل ما تمتلکه الشعوب الإسلامية وما تمتلکه اشلعوب المستضعفة.. ان ما یدعون إلیه ماهو إلا اراجیف… انهم خدعوا السذج والمغفلين وقالوا لهم: انتم لاداعي للاهتمام بالسیاسة؛ الحکومة وما یرتبط بها هو اختصاصنا أما انتم فعليکم التواجد في السماجد وإقامة الصلاة فيها! [۹۸]

ویروي أحد نواب البرلمان(تصریحاته نشرت في صحيفة الاطلاعات عام 1983/4/19) بأن الإمام وخلال استقباله السید ناطق نوري والسید علی اکبر برورش، ووزیر الداخلية ووزیر التربية والتعليم، قد أشار إلی اتباع انجمن حجتية وقال: احذروا من هؤلاء.. لاتسمحوا لهم بالعمل في المناصب الحساسة للدولة.. عندما ینفسح لهم المجال سیثیرون الفرقة من أجل الوقيعة بين الأخوة.. انهم يعملون علی تحقيق بعض الأهداف.. انهم کانوا یتعاونون مع نظام الشاه لذا فانهم لايهتمون بأمر الدين. [۹۹]

أ‌.                  البهائية؛ العدو الرئيس للإسلام الأصیل

کانت جماعة انجمن حجتيه تعاني من سوء تقدیر في الحسابات وعدم معرفة العدو الحقيقي. قبل انتصار الثورة الإسلامية وبدلا من الترکیز علی محاربة نظام الشاه واستبداده، رکزت علی مواجهة البهائية؛ في حين کان واضحاً انها(البهائية) صناعة القوی الاستعمارية وکانت مدعومة من قبل نظام الشاه. کل ذلک کان نتيجة لعدم فهم الظروف والخطأ في ترتیب الأولويات وکذلک عدم التمييز بين الأسباب والمسببات  [۱۰۰] إن أهم وأبرز نشاط الجماعة قبل انتصار الثورة الإسلامية هو محاربة البهائية، بحيث أصبحت محاربة البهائية الأصل والمبدأ الأساس الذي تقوم علیه الجماعة، لکن هذه المحاربة انحصرت في البعد الفکري لأن الجماعة لم يکن لها أي نشاط سیاسي ولااقتصادي، في حين ان البهائية هي ظاهرة سیاسية واشبه ماتکون بالأجهزة التجسسية، لذا من الطبيعي محاربة البهائية يجب ان تشمل البعد السیاسي. بما ان جماعة انجمن حجتيه لاتهتم بالشؤون السیاسية، لم تصدر أي موقف تجاه الشخصیات السیاسية البهائية. وهذا ما أشار له الشهید رجائي والشهيد هاشمي نجاد عندما تحدثوا عن رؤية انصار الجماعة(اجمن حجتية) للبهائية وأتباعها والخطر الذي تشکله علی البلاد.  [۱۰۱] کان مؤسس الجماعة(الشيخ حلبي) يؤکد: أن الإمام المهدي علیه السلام لايريد منا اليوم إلا محاربة البهائية.. ويقول ايضا: أما والله فان واجبنا الشرعي والديني ما هو إلا مواجهة البهائية.. [۱۰۲]

انصب ترکیز الجماعة علی محاربة البهائية بصورة جعلهم یرفضون الانضمام إلی أي مواجهة ثانية. انهم لم یشارکوا في محاربة الإمام الخميني(رض) لنظام الشاه واستبداده. في الحقيقة، الجماعة أخذت تعمل في الجهة المقابلة لحرکة الإسلام السیاسي والثوري، فهي وبعزل الدين عن السیاسة شغلت نفسها بالقضایا الفرعية متجاهلة محاربة الفساد والظلم والاستبداد، ما جعها جماعة مرحب بها من قبل السلطة.[۱۰۳] إن سبب دعم السلطة لجماعة انجمن حجتية واضح تماماً. إن الأفکار التي تروج لها الجماعة تحرف أنظار الشباب المتدينين عن محاربة النظام فترکیزهم ينصب علی محاربة البهائية.. من الطبيعي تساهم هذه التوجهات في ابتعاد عدد من الثوار عن ساحة المواجهة. لقد کان جهاز السافاک يعارض نشاطات الحرکات الإسلامية، لکنه لم يمنع جماعة انجمن حجتيه من الناشط بل قام بالاعتراف بها کجماعة شرعية، الأمر الذي بين بوضوح عدم خطورة الجماعة لنظام الشاه وسیاسته المستبدة. [۱۰۴]

 

بـ) النهي عن الکفاح والثورة في زمن غيبة الإمام المعصوم

إستناداً إلی بعض الروایات، تؤکد جماعة انجمن حجتيه بطلان کل ثورة تندلع قبل ظهور الإمام المهدي(عج)؛ فکل محاولة لمواجهة الظلم والاستبداد وتحقيق العدالة قبل ظهور الإمام تعد محاولة باطلة تساهم في تأجيل ظهوره. [۱۰۵] بناء علی هذه الرويات، استنبطت الجماعة بأن الثورة والکفاح في زمن غيبة الإمام مرفوضة لايبق بها اهل البيت عليهم السلام، فمن هذا المنطلق تغض الجماعة النظر عن الآيات القرآنية الداعية لمحاربة الشر والظلم والباطل. [۱۰۶] إن الرويات التي تستند إلیها الجماعة إما ضعيفة وإما تتحدث عن الذين يدعون الإمامة في زمن غيبة الإمام. في معرض اشارته إلی هذه القضية، يقول اية الله جوادي الآملي إلی هذه القضية : من يثور قبل ظهور الإمام المهدي(عج) ويدعي الإمامة ویدعو الناس إلی تقبل إمامته لايمکنه ان يحقق مایرد وستفشل محاولاته.. الشخص الوحید الذي يمکنه ان يدعي الإمامة هو بقية الله الأعظم(عج) لاغیر.. إن اي رواية تؤکد بطلان أي ثورة قبل ظهور الإمام، هي رواية باطلة لأن هذا القول يتعارض مع القرآن وسنة اهل البيت عليهم السلام، ذلک لأن کافة الآيات والروایات المرتبطة بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنکر واعلاء کلمة الدين وإقامة حدود الله لاترتبط بزمن محدد؛ وهذا يؤکد بأن کل ما ينفي محاولات احیاء الدين، فهو باطل ومرفوض. إن عدم إقامة حکومة دينية في زمن الغيبة يعني سیطرة القوانين غیر الدينية وسیطرة الظلمة والفاسدين علی المسلمين وهذا ما نهی عنه الله وروسوله(ص). وبناء علی ما تقدم يمکننا ان نقيم الوضع بالنسبة للثورة الإسلامية والنظام الإسلامي في إيران؛ هل مؤسس الجمهورية الإسلامية أو قائد الثورة الإسلامية دعيا الشعب إلی انفسهما؟ الثورة الإسلامية تدعو الناس إلی إمام المهدي المنتظر(عج) ، فلا أحد ادعی أو يدعي الإمامة؛ لا الإمام ولا المأموم، فکلاهما يقول: نحن امة صاحب العصر والزمان(ع) وهو إمامنا. [۱۰۷]

 

ج) المهدوية وقضية الانتظار

من أبرز معتقدات شيعة أهل البيت عليهم السلام هو انتظار الفرج. إن هذا المفهوم يفسر-بعض الأحيان- بصورة خاطئة. لقد تم تحريف هذا المفهوم من قبل بعض الجهات کما تم تحريف المفاهيم الأخلاقية. علی سبیل المثال، تم تحريف مفهوم الحلم والصبر في حین انهما من صفات الإنسان السليم؛ فقد يوصف الصبر بعض الأحيان بالخمول والخضوع للظلم والاستبداد، وهذا مفهوم يتناقض مع معنی الصبر ودلالاته السامية، کما انه مرفوض وفقاً للتعاليم القرآنية والسنة النبوية ومنهج أهل البیت عليهم السلام. القرآن الکريم یدعو الإنسان إلی محاربة الظالم وينهی عن التزام الصمت أمام غطرسته.  [۱۰۸] لقد حدثت هذه المشکلة بالنسبة لمفهوم الانتظار. يعد انتظار الفرج من افضل الأعمال التي يقوم بها المؤمن؛ قال الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله: «أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج». [۱۰۹] لاشک ان هذا العمل یجب ان یکون بناء يمهد الظروف لظهور الفرج. إن هذا التفسیر لمفهوم الانتظار يعني ان انتظار الفرج يعني ممارسة النشاط لإصلاح المجتمع وتمهيد الظروف المناسبة لظهور المصلح، وهذا لايمکن تحقيقه إلا عبر القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنکر، وإنشاء منظمات ومؤسسات اخلاقية وعلمية إلی جانب تربية الأجيال علی هذا المنهج.

 أما بعض الفئات تؤکد علی ان انتظار الفرج يعني ترک الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر وکل عمل بناء. إن هذه الفئات تؤمن بأن ماعلینا فعه هو الصبر والانتظار حتی یأتي الإمام ليقوم بنفسه بإصلاح ما تم إفساده. لاشک ان هذا التفسیر هو المعنی المحرف لمفهوم الانتظار. المغفلون والجهلة یطالبون بترک الواجبات الاجتماعية والسیاسية إلی حين یظهر الإمام(عج).  [۱۱۰] لاشک ان الانتظار يؤثر بشکل کبیر علی جوانب مختلفة من الحیاة الإنسانية؛ انه يؤثر علی الالتزامات وتحمل المسؤوليات الاجتماعية ويعزز التضامن والتعاضد الاجتماعي. الإنسان المنتظر يری حیاته مرتبطة بأهداف وقيم الإمام المنتظر ويقوم باتخاذ خطواته في المسار الذي لا يتنافی مع هذه القيم والأهداف.[۱۱۱] لکن معتقدات انجمن حجتية وحبهم للإمام المهدي تختصر في البعد العبادي دون الأبعاد الأخری. وترتبط أفکار -هؤلاء في هذا المجال- بقضيتين أساسيتين: 1- کل ما يمهد للأحداث السلبية في المجتمع کالظلم والمخالفات والانحرافات الاجتماعية . 2- تعزیز ايمان الناس واعتقادهم بالإسلام؛ أي إلی جانب ترويج السلبيات في المجتمع، يجب العمل علی تعریف الناس بالإسلام ثم القيام باصلاحات اعتقادية، فرسالة الانسان المنتظر زمن الغبية هي: -السعي للتنمية الذاتية والتأثیر علی الآخرين واصلاح البيئة ودعوة المنحرفين إلی الإسلام. واصلاح البيئة بالنسبة لهؤلاء هو تطهیر المجتمع من البهائية واصلاح الذين خدعهم انصار البهائية. وملخص القول إن هؤلاء يؤکدون علی العمل في دائرة المعتقدات(فقط) دون الاهتمام بالابعاد السیاسية والاقتصادية والحکومة.[۱۱۲] علي سبيل المثال، کان السيد حلبي في بدايات الثورة وحتی بعد سقوط نظام الشاه؛ يؤکد بأن دماء الذين اسشتهدوا في سبیل انجاح الثورة ذهبت هدراً داعيا إلی الاکتفاء بالعمل الثقافي.[۱۱۳].

أما واجبات الإنسان المنتظر(بحسب ما حددتها انجمن حجتية) فهي:

1-الانتظار 2- تقليد المجتهد الجامع للشروط 3-عدم الشعور بالفرح بسبب غيبة الإمام 4-الدعاء لتعجيل الفرج 5- البکاء علی فراق الإمام 6- عدم الاستعجال لظهور الإمام 7- التصدق على الفقراء لسلامة الإمام المهدي(عج)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.