الثقافة الاسلامیۀ
موقع إسلامي وثقافي الثقافة الاسلامية

أزمة أوكرانيا تُسرّع الإستقطاب الإقتصادي.. “بريكس” نموذجًا

0 174

محمد صالح صدقيان

يعيش المجتمع الدولي حالة من الترقب والانتظار لمآلات التطورات المهمة التي يشهدها خصوصا في مرحلتي ما بعد “جائحة كورنا” وما بعد “الأزمة الأوكرانية”.

ترسخ إنطباع منذ تفشي فيروس كوفيدـ19 قبل أقل من ثلاث سنوات ان ظروف هذه الجائحة ستولد مرحلة جديدة في العلاقات بين الدول والشعوب، لكن ما أن إندلعت الأزمة الأوكرانية، قبل ستة أشهر، حتى تراجع الإهتمام الدولي بالجائحة. صار السؤال متى وكيف ستنتهي الأزمة الأوكرانية وليس متى سنشهد أفول جائحة كورونا؟

يتحدث معظم الخبراء عن نظام عالمي جديد سيولد بعد مخاضات عديدة تعيشها الأسرة الدولية إن في الاقتصاد او السياسة او الأمن، كلٌ في مجال اهتمامه، لكنهم يشيرون إلى أننا نتجه نحو نظام عالمي جديد ستكون قواعد التعايش والعلاقات فيه مختلفة سواء عما كانت عليه في معظم عقود الألفية الثانية أو في العقدين الأول والثاني من الألفية الثالثة.

كُتب الكثير عن الأبعاد السياسية لهذا النظام، لكن من المفيد التركيز على الأطر الإقتصادية، وهي محط انظار العديد من الدول خصوصاً دول العالم الذي يسمونه “الثالث”. هذه الأبعاد السياسية ربما تشكل الاسس الجديدة التي يستند إليها النظام العالمي الجديد الذي يحاول بناء قواعد جديدة من العلاقات الاقتصادية والسياسية والامنية. نتحدث عن منظمة شنغهاي للتعاون الاقتصادي؛ عن مجموعة “البريكس”؛ عن رابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان” وغيرها.

لربما تشكل مجموعة “البريكس” اكثر الاطر الواعدة التي يسيل لها لعاب الكثير من الدول الواقعة تحت هيمنة الدولار وصندوق النقد الدولي والعقوبات الاقتصادية واحتكار العلوم والتكنولوجيا والتجهيل الانساني والاستحمار البشري.

“بريكس” هو إختصار للحروف الأولى باللغة اللاتتينية BRICS المكونة لأسماء الدول صاحبة أسرع نمو اقتصادي بالعالم وهي؛ البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا. عقد أول لقاء على مستوى زعماء دول «البريكس» في يوليو/تموز 2008، في جزيرة هوكايدو اليابانية حيث اجتمعت آنذاك قمة الثماني الكبرى. وشارك في قمة «بريكس» رئيس روسيا فلاديمير بوتين ورئيس الصين هو جين تاو ورئيس وزراء الهند مانموهان سينغ ورئيس البرازيل لولا دا سيلفا. واتفق رؤساء هذه الدول على مواصلة التنسيق في أكثر القضايا الاقتصادية العالمية آنية، بما فيها التعاون في المجال المالي وحل المسألة الغذائية.. وفي العام 2009 عقدت أول قمة بين رؤساء الدول الأربع المؤسسة في يكاترينبورغ رابع مدن روسيا وتخللها الإعلان عن تأسيس “نظام عالمي ثنائي القطبية”. وما لبثت أن انضمت دولة جنوب افريقيا إلى المجموعة عام 2010، فأصبحت تسمى “بريكس” بدلاً من “بريك” سابقاً.

تشكل مساحة هذه الدول ربع مساحة اليابسة، وعدد سكانها يقارب 40% من سكان الأرض. بحلول عام 2050 من المتوقع أن تنافس اقتصادات هذه الدول، إقتصاد أغنى الدول في العالم ومن المتوقع أن تشكل هذه الدول حلفًا أو ناديًا سياسيًا في ما بينها مستقبلًا. هذه المجموعة أولوياتها اقتصادية ولذلك ناقشت في القمة التي عقدت في روسيا عام 2015 نظام الدفع (BRICS payment system)، حيث بدأ وزراء وخبراء من دول المجموعة، بمناقشة نظام الدفع البديل لنظام “سويفت” الذي تتحكم به الولايات المتحدة؛ وصولاً إلى وضع أنظمة دفع وتحويلات بالعملات الوطنية.

هذه الاستراتيجية هي في حقيقة الامر تحاول الوقوف امام هيمنة الدولار في التسويات المالية الدولية لمصلحة “نظام دفع متعدّد الأطراف ومتعدّد الجنسيات من شأنه توفير قدر أكبر من الاستقلالية”.

أن دول “البريكس” لا يشملها تحالف سياسي إلاَ أنها تنسق في ما بينها للتأثير في الاتفاقيات التجارية الأساسية، فلديها القدرة على تشكيل تكتل إقتصادي قوي خارج إطار مجموعة الدول الصناعية السبع (G7)، ذلك أن دول “البريكس” أكثر تطوراً في المجال الاقتصادي عالميًا، وهذا الأمر يدعمه عدد من نقاط القوة منها البرازيل عملاق أميركا اللاتينية وهي من أكثر الدول المزودة للمواد الخام، وروسيا المُصدّرة العالمية للطاقة الكامنة والغاز، والهند المُصدّرة لتكنولوجيا المعلومات، أما الصين فلها موقع إنتاجي وديموغرافي متقدم ومتطور، وأخيراً جنوب أفريقيا وهي منطقة تعدين مهمة عالمياً وتمتلك موقعًا استراتيجيًا عالميًا مهمًا جدًا بإشرافها على المحيط الهندي والمحيط الأطلسي معًا، وهذه هي باختصار أبرز ركائز دول “البريكس”.

تعتبر الولايات المتحدة من المعارضين الاساسيين لهذه المجموعة وتسميها مجموعة “الدول الفاسدة”، لكن اغلب المحللين الاقتصاديين يعتقدون ان هذه المجموعة التي تشكلت بعيدًا عن الدول الاوروبية والولايات المتحدة تستطيع ان تشكّل عنصر تحدٍ كبيرٍ جدًا للنظام العالمي الحالي. في آخر اجتماع لهذه المجموعة عقد في الصين تمت دعوة كل من الجزائر؛ مصر؛ إندونيسيا؛ قرقيزيا؛ السنغال؛ أوزبكستان؛ كمبوديا؛ اثيوبيا؛ فيجي؛ ماليزيا وتايلند في الوقت الذي تخلفت باكستان عن الحضور بسبب معارضة الهند. فيما تقدمت ايران بطلب للانضمام إلى هذه المجموعة.

وثمة اعتقاد ان الازمة الاوكرانية سوف تدفع بهذه المجموعة للاسراع في عمليات التنسيق الاقتصادية لما تملكه من امكاناتات اقتصادية وبشرية متنوعة وضخمة في ظل المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها اقتصاديات العالم بأسره ولا سيما أوروبا واميركا.

باختصار، عالمنا الراهن يُعاد تشكيله وما بعد الأزمة الأوكرانية ليس كما قبلها.. وعنصر الإقتصاد سيكون عنصرًا مُحددًا للنظام العالمي الجديد الذي سيولد على أنقاض الأحادية القطبیه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.