الثقافة الاسلامیۀ
موقع إسلامي وثقافي الثقافة الاسلامية

تاريخ العنف السياسي الدموي في العراق

0 21
محمد صادق الهاشمي
في القرن العشرين ، وما تلاه ، نجد أنّ العراق مسرحاً للعنف السياسي ، وما يلازمه من انقلابات عسكرية ، بدأها انقلاب بكر صدقي ، ورشيد عالي الكيلاني ، وغير ذلك من أحداث ودماء ومؤامرات طبعت تاريخ العراق السياسي ، ففي هذا سالت دماء أثر العنف السياسي سببها الاحتلال البريطاني ، ثم انقلابات داخل الخط الحكومي العراقي ، ومنها ثورة الشواف ( 1959بالموصل ) ، التي أُعدم على أثرها ناظم الطبقجلي ، ورفعت الحاج سري ، ومجموعة من الضباط ، أمّا الشوّاف فاغتيل في الموصل من المؤيدين لعبد الكريم قاسم، ثم انتهى الامر بانقلاب قادة عبد الكريم قاسم ، بعدها اتفق القوميون العرب مع البعثيين من خط عفلق على اغتيال عبد الكريم قاسم انتقاما لجماعة الشواف ، ثم تلاه انقلاب العسكر بقيادة عبد السلام عارف ضدَّ عبد الكريم ، ( 8 شباط عام 1963 ) ، وقد حُكم العراق خلال هذه المرحلة بقوة وعنف سياسي من قبل البعثيين والحرس القومي ، بعدها حصل انقلاب عبد السلام عارف على حلفائه البعثيين القوميين أو مايسمّى بردّة تشرين ـ كما أطلق عليها القاموس السياسي البعثي ـ وبعد موت عبد السلام وسقوط طائرته في البصرة في قرية النجيبية تسلّم الحكم أخوه عبدالرحمن عارف، وبعد ركود سياسي في مدة حكمه استطاع الاسلاميون العراقيون التحرك خلال هذه المرحلة ؛ إذ تحرّك حزب الدعوة لإخراج تظاهرات الجامعات لتفعيل عمل اسلامي سياسي يؤيّد ويسند عمل المرجعية آنذاك في زمن السيد محسن الحكيم؛ ولأجل قمع النشاط الاسلامي الذي لحظته القوى الغربية ، أتت السفارة البريطانية بالبعثيين ثانية ، فكان انقلاب عام 1968م/تموز ، وحينها وصل البعثيون إلى قمة الهرم في الحكم ، بعدها بأيام انقلب البعثيون على من ساعدهم في الوصول إلى السلطة ، وهم عبد الرزاق النايف الذي قُتل في لندن ، وعبد الرحمن الداوود الذي كان في الأردن ، ومن هناك تم اعفاؤه وطرده . وفي عام 1969م ـ ـ أي بعد حكم البعثيين بسنة واحدة ـ ـ تم اعدام ناجي زلخا ، وعبد الحين جيتا .
 بعدها ظهر دور صدام الذي أطبق على الحكومة والدولة في العراق بشكل تام ، وصاحب قيام صدام بتصفية المقربين منه مثل حردان عبد الغفار التكريتي ، وناظم كزار ، ومحمد فاضل عضو قيادة قطرية ، وعبد الخالق السامرائي الذي تمّ اعدامه بما يسمّى مؤامرة محمد عايش ظهور نظرية المؤامرة في الثقافة السياسية للعقل الحكومي السلطوي البعثي. ثم مارس صدام حسين عنفاً سياسياً ضدَّ الجبهة الوطنية المؤلّفة من الشيوعيين والبعثيين التي هي جبهةٌ كان هدف صدام منها إبراز الشيوعيين على السطح السياسي ، ومن ثم يقوم بضربهم ، وقد تمّ له ذلك. ثم انقلاب صدام على البكر وعلى جماعته ، وبعدها تمّت ممارسته السلطة في العراق بعنفٍ سياسيٍ قلّ نظيره في تاريخ العراق . واستمرّصدام يمارس عنفاً سياسياً لتركيز سلطته الفردية بانقلابه على المقربين منه والمنافسين له ، إلى أن وصل الأمر لإغتيال ابنه البكر وقتل صهره . وحصلت خلال تلك المرحلة الرهيبة اغتيالات غامضة . وقد تغلغلت هذه الثقافة في التركيبة النفسية والعقلية لطبقة سياسية معروفة ، وهذا ما نجده واضحاً في سلوك السياسيين ، وفي الأساليب التي يمارسها هؤلاء السياسيون الذين يعدّون امتداداً لعقليةٍ ثقافيةٍ قمعية مبنية على ( ثقافة العنف السياسي).  والجدير بالذكر : إنّ ما أوردناه ليس بداية لتاريخ العنف ، ولكن هو الحلقة القريبة من حلقات التاريخ الحديث الذي نجد فصوله في العديد من المصادر التي تتحدث عن دم سائل لا يتوقف ، وانقلابات مستمرة ، ومجازر رهيبة، وعن سياسات رسّخت عُقداً اجتماعية وسياسية في المجتمع الى مزيد من التعقيد ، وتكون سبباً لمزيد من العنف . وقد وجدنا المؤرخون يُرجعون العنف الذي يميز الشخصية العراقية والذي مارسته القوى والشخصيات الحاكمة يعود الى التاريخ الدموي ، والى تاريخ الكوارث التي حصلت عبر تاريخ العراق . ولعل جدول الكوارث التي استخلصها المورخ ( حنا بطاطو ) للفترة المحصورة بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر استناداً لابن سند البصري صاحب كتاب ( مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داوود ) يغني عن كل وصف فقد وجه على سبيل المثال : إنَّ هناك في عام ( 1621 مجاعة ؛ 1623 الفرس يذبحون ( مئات الالوف ) ، 1633 فيصان ، 1935 وباء 1938 مجزرة عامة نفذها الاتراك راح ضحيتها 30 الف شخص ، 1656 فيضان ، 1689 مجاعة ووباء 1733 حصار ، 1777 ـ 1778 طاعون ، 1789 حرب أهليه في بغداد ، وفيضان ومحصول فاشل ، مجاعة ، واضطرابات مدنية 1802 ـ 1803 وباء ، وفناء ( معظم سكان العراق ) ، 1822 وباء وفيضان ، 1831 وباء وفيضان ، حصار ومجاعة ، 1878 وباء ومجاعة ، 1892 فيضان ، 1895 فيضان( ) وهكذا فإنّ أيَّ مجتمع يعيش تحت هكذا ظروف قاهرة فإنّه يكون أشد ميلاً الى القسوة والعنف .
ب ـ هذه الانقلابات والأحداث في المرحلة التي تحدثنا عنها والتي قبلها وقبلها لازمها نشر ثقافة العنف السياسي ، وغياب السلم السياسي ، سواء من السلطة الحاكمة لهذا المكوّن ، أو من المحكومين ( ومن القوى السياسة ) ؛ فإنّ بعض الأحزاب مارست دوراً ارهابياً في العراق ، وارتكبت عنفاً لا يقلّ عن عنف الحكومة البعثية ، كالحركة الشيوعية في العراق ، والحرس القومي قبل أنْ يتسلموا الحكومة وبعدها ، فقد كان الشيوعيون يجوبون شوارع بغداد والموصل وكركوك وهم يرددون : « ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة » ، ولطالما شهدت ساحات وشوارع بغداد سحب جثث كبار الشخصيات .
ج ـ وحينما آلت الأمور إلى عهد صدام حسين وبعد أنْ فرغ من تصفية خصومه داخلياً من المقربين منه شرع في شن حملة دموية على الاسلاميين الشيعة ، فقتل الصدر الأول ، وأعدم العشرات من العلماء ، من أسرة آل الحكيم ، وآل الصدر ، وقتل الآلاف من الشيعة السياسيين ، وهجّر ، وطرد ، واعدم ، وغيّب ، كما يحلوا له بعنفٍ سياسي من دون أي محاكمات ، وسفّر الآلاف من المكوّن الشيعي خارج العراق ؛ لأنّهم أكراد فيلية ، أو من أصول هو يعتقد أنّها إيرانية ، وعاش العراق أزمة الهوية والجنسية والمواطنة مجدداً ، وتأسيساً على من سبقه في إتّباع هذه السياسة . ثم سنَّ قوانين مبنيةً على تدمير البنية الاجتماعية الأساسية للشيعة ، من هجوم على الحوزات والمراجع ، وسنَّ قوانين ضدَّ المكوّن الشيعي كانت في غاية القسوة ، من قطع الأذن ، والإعدام ، وقطع الرقبة ، وتفجير الأبرياء وهم أحياء ، حتي بلغ عدد المقابر الجماعية العشرات.
العنف نفسه مارسه ضدَّ المكوّن الكردي فقتل وشرّد وأعدم الآلاف إلى أنْ انتهى الأمر بضربات للقرى الكردية بالأسلحة الكيمياوية في الأنفال وحلبجة ، ذهب ضحيتها الآلاف من أبناء الشعب العراقي الكردي ، ثم هاجم الشيعة التركمان فأزال قرى من الخارطة في كركوك كمنطقة تسعين ، وقرية بشيرلي ، وهكذا فعل في الدجيل .
هذا هو المشهد السياسي في العراق ، مشهد العنف والقسوة والدم ، واستمر هذا المشهد يتوارث بعد عام 2003 م ؛ لأنّه إرث ثقافي ورثه جيل وطبقة من مكوّن قد تربّي عليه ، وجعله منهجا آيديولوجياً ، وعملياً له .
هذه الأحداث هي التي انتجت ثقافة العنف السياسي داخل المجتمع العراقي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.