الثقافة الاسلامیۀ
موقع إسلامي وثقافي الثقافة الاسلامية

سوريا تفرض معادلة جدیدة في مواجهة الکيان الصهيوني

0 30

الهجوم الصاروخي الأخير على المنطقة المحيطة بمفاعل ديمونا يکستب اهمية اسراتيجية کونه يشکل تحولا مهما في مسيرة الصراع مع العدو الإسرائيلي، فاستهداف منطقة حساسة في الأراضي المحتلة بصاروخ باليستي يُنبئ ببداية مرحلة جدیدة لفرض معادلة جدیدة لردع الاحتلال الإسرائيلي ومواجهة اعتداءاته المتکررة.

في السنوات الأخيرة، سعی جيش الاحتلال الإسرائیلي إلی استهداف نقاط ومواقع في الأراضي السورية في إطار ما يسمی بمواجهة الوجود الإيراني في سوريا أو محاربة القوات المقربة من إيران التي تعمل علی تدمير إسرائيل. ومکن الجيش الاسرائيلي خلال تلک السنوات من تنفيذ عدة هجمات ضد قواعد الجيش السوري مستغلا حالة عدم استقرار الذي تعيشه سوريا بسبب حربها ضد الارهاب والتنظيمات التکفيرية. وبرغم تکرار الاعتداءات الاسرائيلية ضد الأراضي السورية، لم يتخذ مجلس الأمن الدولي أي قرار يمنع الاحتلال من تکراره اعتداءاته واجراءاته الاستفزازية.

إن صمت المجتمع الدولي وعدم التزامه بمسؤولياته المتثملة بحفظ وضمان الأمن والسلام العالمين؛ دفع دمشق إلی اعتماد استراتيجية جدیدة يمکن من خلالها ردع الاحتلال ووقف اعتداءاته المزعزعة للأمن والاستقرار.

في الأيام الماضية، تصدت الدفاعات الجوية السورية لعدوان إسرائيلي بالصواريخ في محيط دمشق، وأسقطت معظم الصواريخ المعادية، کما قامت باطلاق صاروخ باليستي سقط بالقرب من منطقة اسرائیلية حساسة. حاول الصهاينة التكتم على خبر الاستهداف الصاروخي، لكن شدة الانفجارات كانت كبيرة لدرجة أن هذه التفجيرات الضخمة شاهدها مئات الآلاف من الاشخاص . الجيش الإسرائيلي الذي اضطر إلی اعلان الخبر؛ أصدر بيانين متناقضين حول الصاروخ الذي أطلِق من سورية واصفا الصاروخ بالطائش وقال انه من طراز أرض-جو، أطلق من سوريا وسقط في منطقة بعيدة عن مفاعل ديمونا النووي في صحراء النقب. بحسب البيان الأول، أكد الجيش الإسرائيلي أن الحديث هو عن صاروخ أرض-جو أطلق من سوريا وتجاوز هدفه وانزلق نحو “إسرائيل”. والبيان أکد بأن الصاروخ لم يطلق ليستهدف منطقة معينة ولم يصب مفاعل ديمونا لکنه سقط في منطقة قريبة من المفاعل. وقال البيان الثاني للجيش الإسرائيلي إن تحقيقا أوليا أظهر أنه لم يتم اعتراض الصاروخ السوري عمليا. وقال وزير الحرب الإسرائيلي، بيني غانتس، إنه “سنجري تحقيقا في الاعتراض الذي لم ينجح”. ونقلت وسائل اعلام صهيونية عن سکان المنطقة الجنوبية بأنهم سمعوا أصوات انفجارات وهم يطالبون الجيش الإسرائيلي بتفسيرات مقنعة. ولاحقاً کشفت مصادر اسرائيلية أن الأجهزة العسکرية بدأت التحقيقات الأولية للکشف عن نوعية الصاروخ الذي اطلق فهو هو صاروخ أرض – جو أم ارض- أرض. واظهرت هذه الأخبار تخبط واضح في طريقة نقل الأخبار حول هذا الحدث الأمني.

 

إن الهجوم الأخير على المنطقة المحيطة بمفاعل ديمونا يكتسب خطورة استثنائية من وجهة النظر الإسرائيلية لأن الهجوم کان يحمل دلالات ورسائل واضحة مفادها ان القيادة السورية عازمة علی تغيير قواعد اللعبة في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.

مساعد الشؤون التنسيقية في حرس الثورة الاسلامية في ايران العميد محمد رضا نقدي، علق على الانفجار وقال: «عندما يرتكب أحد عملا شريرا فلا يتوقع أن لا يعود هذا الشر إلى نفسه.» هذه التصريحات دفعت بعض المحللين والمراقبين إلى الاعتقاد بأنها اشارة علی ان اطلاق الصاروخ کان رسالة للاحتلال رداً على العمل التخريبي الذي استهدف مفاعل نطنز النووي في إيران. وعززت هذا الاعتقاد تصريحات نائب قوات القدس التابعة لحرس الثورة الاسلامية العميد “محمد رضا فلاح زادة” والتي جاءت بعد ساعات من الهجوم الصاروخي الذي استهدف مفاعل ديمونا؛ إذ قال: إن من يرتكب شرا عليه تحمل نتيجة أفعاله.

وأخذ خبر استهداف مفاعل ديمونا مساحة اعلامية واسعة حيث خصصت القنوات الاقليلمية والعالمية برامج وتغطية خاصة للکشف عن رمزية استهداف مفاعل ديمونا والرسائل التي حملها الصاروخ للقيادة الإسرائيلية.

المؤکد هو أن الصاروخ الذي اطلق من سوريا من نوع “فاتح 110″، وهو من الصواريخ الإيرانية التي يمتلکها الجيش السوري. وصاروخ فاتح هو صاروخ ذکي ويتمتع بمنظومة تحکم وملاحقة وقادر على حمل رؤوس متفجرة بمدى يتجاوز 300 كيلومتر، ويمكنه ضرب الأهداف الثابتة يمکنه الوصول إلى المنشآت الإسرائيلية وضربها في العمق.

إن سقوط الصاورخ كشف هشاشة المنظومة الدفاعية التي يتغنى الاحتلال بها؛ فمنظومة القبة الحدیدية الإسرائيلية، ومنظومة باتريوت للدفاع الجوي الصاروخي(أميرکية) ومنظومة الدفاع الجوي “حيتس” المضادة للصواريخ الباليستية(اسرائيلية) کلها عجزت عن اعتراض الصاروخ الذي اطلق من الأراضي السورية.

لاشک أن الصاروخ الذي اطلق من سوريا وسقط بالقرب من مفاعل ديمونا النووي لم يأت مصادفة ولا نتيجة خطأ في التشخيص. الصاروخ کان يحمل رسالة لإسرائيل بأن مناطقها الحساسة ليست محصنة، وان إيران قادرة علی استهدافها لکنها لاتريد–الآن- احداث کارثة نووية لذلک اکتفت بتوجيه الرسالة.

الهجوم الأخير على المنطقة المحيطة بمفاعل ديمونا يؤکد بوضوح بأن دمشق بصدد خلق موازنة ردع مع الکيان الصهيوني مماثلة للموازنة التي خلقها حزب الله في لبنان. في العقود الماضية، کانت اسرائيل تفعل ماتريد وتنفذ هجمات متعددة دون تلقي أي رد وذلک بسبب تفوقها العسکري في المنطقة، لکن اليوم وبالتحدید بعد انتصار حزب الله اللبناني في حرب تموز عام 2006، أصبحت إسرائیل لاتجرؤ على الهجوم على لبنان لمعرفتها بقوة حزب الله. انتصار المقاومة اللبنانية في حرب تموز كسر هيبة الجيش الذي لا يقهر، وکان بداية تغير المعادلات، فالاحتلال وعلى مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، لم يقدم علی أي اعتداء ضد الأراضي اللبنانية.

إن اطلاق صاروخ باتجاه مفاعل ديمونا هو بداية لمرحلة جدیدة عنوانها استهداف المواقع الإسرائيلية الحساسة بهدف خلق موازنة ردع. الرکيزة الأساسية في هذه المعادلة الجدیدة هي اظهار عجز وفشل المنظومات الدفاعية الإسرائيلية في التصدي للصواريخ الإيرانية، والدلیل علی ذلک هو ما أقر به الجيش الإسرائيلي عندما أعلن فشله في التصدي للصاروخ الذي اطلق من سوريا.

الاستراتيجية السورية الجدیدة في التعامل مع اعتداءات الاحتلال سوف تؤثر بشکل مباشر علی المجتمع صهيوني وستکون لها تداعيات کبيرة وخطرة. الذين استيقضوا من نومهم بعد سماع اصوات الانفجارات(نتيجة استهداف مفاعل ديمونا) ايقنوا بأن الجيش الإسرائيلي غير قادر عن ضمان امنهن کما أنه يکتم حقيقة علی ماجری.

إن زيادة حالة عدم الشعور بالأمن في الکيان الصهيوني سوف يعزز الهجرة المعاکسة(الهجرة من الأراضي المحتلة إلی خارجها) الأمر الذي ستکون له تداعيات خطيرة من حيث الأبعاد استراتيجية کما انه يشکل خطر علی وجود الکيان الصهيوني. إن هذه الاستراتيجة سوف تؤثر علی المعادلات والتحالفات الاقليمية خاصة التحالفات التي أقيمت بعد تطبيع العلاقات بين بعض الأنظمة العربية والاحتلال الإسرائيلي. إن بعض الأنظمة کالإمارات والبحرين والسودان والمغرب ارتكبت أخطاء استراتيجية باتفاق التطبيع مع الاحتلال، فهي اقترفت خطأ جسيماً عندما ظنت بأن الاحتلال قادر علی ضمان أمن هذه الدول. تطورات الأحداث في الأيام الأخيرة أثبتت للجميع بأن “إسرائيل” غير قادرة على ضمان أمنها ولن تستطيع ضمان أمن الدول المطبعة مع الاحتلال، الأمر الذي سيدفع الأنظمة المطبعة إلی إعادة النظر في سیاساتها المعادية لمحور المقاومة.

 

“حسين رويوران”

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.