الثقافة الاسلامیۀ
موقع إسلامي وثقافي الثقافة الاسلامية

ندوة «الثقة العامة ورأس المال الاجتماعي والنظام السیاسي»

0 36

استعرضت الندوة* المفاهیم والعناصر المکونة لرأس المال الاجتماعي، کما بینت کیف یکون رأس المال الاجتماعي مصدراً من المصادر التي توحد الشعب وتمکنه من مسايرة أهدافه، وبالتالي فان رأس المال الاجتماعي هو الثروة الحقيقية لأي نظام سیاسي.
___

بهشتي بور: بسم الله الرحمن الرحیم. اقترح في البدایة ان نحدد تعریفا لمفهوم “رأس المال الاجتماعي”؛ لأن هناک تعاریف عدیدة ومختلفة لهذا المفهوم. فمن الجید ان یکون لنا تعریفا موحدا لمفهوم رأس المال الاجتماعي قبل الترکیز علی مفهوم “الثقة العامة” بوصفها أحد عناصر رأس المال الاجتماعي. ثم نقوم بتبیین کیفیة تشکیل هذه الثقة وایضا کیفیة الحصول علیها. وینبغي لنا کذلک تبیین المواطن التي من خلالها یمکن زعزعة الثقة العامة وإعاقة خطط وبرامج التنمية المستدامة. قد قیل منذ القدم ان الثقة یمکن الحصول علیها شیئا فشیئا، لکن بعض الأحیان قد تؤدي بعض القرارات والخطوات الخاطئة-وان کانت صغیرة- إلی فقدان هذه الثقة بلحظة واحدة.
هناک قضیة هامة شغلت بالي وهي ان للبعض آراء وتفاسیر ترتبط بـ”رأس المال الاجتماعي”، إذ یقررون بأن قضیة الحلال والحرام تشمل رأس المال الاجتماعي ایضا کما تشمل رأس المال الاقتصادي. فرأس المال الاجتماعي المحرم هو ذلک الذي یتم الحصول علیه عبر الطرق المحرمة کالاغواء والاحتیال والنفاق والخداع. لکن هذا البحث یدخل في إطار القضایا الفرعیة للموضوع الرئیسي، فالموضوع الرئیسي هو رأس المال الاجتماعي، وتأثیر الثقة العامة -بوصفها رأس مال اجتماعي- علی النظام السیاسي واستمراریته. ولاتهمنا نوعیة النظام سواء کان نظاما اسلاميا کنظام الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة أو الأنظمة الأخری، فالمهم هو تأثیر هذه الثقة علی النظام لمسايرة أهدافه بصورة أكثر فعالية.

زورق: “رأس المال الاجتماعي” و”رأس المال الانساني” مصطلحین یجب الاهتمام بهما في مجال التنمیة والمجالات السیاسية. ففي قواعد التنمیة یقال بأن هناک عنصر هام ومؤثر یضاف إلی الموارد الطبیعیة والمیاه والتعداد السکاني والمال، فهذه کلها تعتبر رأس مال اقتصادي؛ إن هذا العنصر هو رأس المال الانساني. إن بلدا کالسعودیة لدیها موارد نفطیة (رأس مال اقتصادي) کثیرة لکن تفتقر لوجود الرؤیة التنمویة لأنها تفتقر لوجود رأس المال الانساني. لکن دولة کالیابان لدیها رؤیة تنمویة لأن لدینها رأس مال انساني، وذلک برغم من عدم امتلاکها موارد نفطیة.
وفي ادبیات التنمیة یقال انه من أجل امتلاک رؤیة تنمویة لایکفي امتلاک المال والأدوات والموارد الطبیعیة، فرأس المال الانساني هو ضرورة لابد من امتلاکها قبل کل شيء؛ أي ان امتلاک القوى العاملة المتخصصة من ذوي الكفاءات عنصر رئیسي لامتلاک رؤية تنمویة. برأيي ان رأس المال الاجتماعي للنظام السیاسي في الحقیقة هو عبارة عن العلاقات المنسجمة بین المؤسسات الحکومية وابناء الشعب، فهذه العلاقات الاجتماعیة هي التي تدعم النظام السیاسي وتمکنه من مواجهة التحدیات والتي تواجهه. فکما ان رأس المال الانساني یعتبر ضرورة للتنمیة، یُعد رأس المال الاجتماعي ضرورة ملحة وحیویة لبقاء النظام السیاسي واستمراریته.

بهشتي بور: إن هناک تعاریف مختلفة لرأس المال الاجتماعي، لذا علینا ان أولا تحدید تعریف موحد لهذا المفهوم. وبعد ان تمکنا من ذلک یمکننا ان نتحول إلی القضیة الأهم وهي قضیة الثقة العامة التي تعتبر أحد العناصر الرئیسیة المکونة لرأس المال الاجتماعي.

عاملي: إن هذه المفاهيم التي دخلت إلی حقل الدراسات الثقافية، في الأساس هي مفاهیم اقتصادية ولها جذور فلسفية. و من داخل النيوليبرالية(وهي فكر آيديولوجي مبني على الليبرالية الاقتصادية) تم خلق بعض المصطلحات في المجالات الاجتماعية. لذا لایمکن ان نستخدم اي مصطلح نتلقاه دون معرفة الخلفیات الفکرية التي نشأت فيها هذه المصطلحات. برأيي ان اوروبا الوسطی أثرت بشکل کبير علی القوات الاجتماعية، لذلک نری بأن غالبية التعاریف المرتبطة بهذه التعاریف هي تعاریف اوروبية. علی سبیل المثال یؤکد بعض المفکرین علی ان جذور قضية رأس المال الاجتماعي تعود إلی عام 1927م، في حین اننا نری بأن هذا المصطلح له خلفیات دینية. فالقرآن الکريم قد تحدث عن المجتمع والوحدة والعلاقات الاجتماعية، کما اوصی بضرورة مواجهة الصعاب والمصائب التي تحل بالمجتمع، والاهتمام بالجار وصلة الرحم و..الخ. فهذه القضایا التي یتحدث عنها تعتبر عناصر تشکل رأس المال الاجتماعي بالمفهوم الذي نتحدث عنه حالیا.
إن مفهوم رأس المال الاجتماعي بالمعنی الذي نتحدث عنه، مستلهم من رأس المال الاقتصادي، فکما ان رأس المال في الاقتصاد هو أهم عنصر في عملية الانتاج وتوفیر الخدمات، فان رأس المال الانساني هو العنصر الذي یشکل البنی والأرکان الأساسیة التي یقوم علیها المجتمع الانساني. إن التجارب والامکانیات والطاقات الي یمتلکها الانسان هي التي تخلق رأس المال الاجتماعي. فرأس المال الاجتماعي هو رأس المال الذي یساهم في تشکیل علاقات اجتماعية تكوّن شبكة علاقات عامة أكثر فاعلية. وفي هذه الشبکة تم انشاء مصدر تبدأ من غالبية الأحداث التي سوف یشهدها المجتمع. وهذه الشبکة تکون فاعلة علی ضوء انتشار الاعلام الجدید؛ أي تشکیل شبكات نقل المعلومات.
ثم إن الأصل في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي هو المشارکة العامة. إن بنية وسائل التواصل الاجتماعي تم تخطیطها بشکل یعمل علی دفع الجمیع للمشارکة. إن (Internet Live Stats) هي الاحصائیات الحية لاستخدام الشبکة العنکبوتية. فهي من یقوم بارسال احصائيات لحظة بلحظة تتعلق بعدد المستخدمین. وتبین کذلک نسبة المشارکات وماذا یرسل وماذا یتم تحمیله وتنزیله. وبحسب احصائیات هذه المحطة، ان أکثر من 250 ملیار برید الکتروني یرسل یومیا. ان العدید من هذه السحابات غیر مستفادة، لکن مع ذلک یتم احصاءها ولها تأثیر وفاعلية. إن ما ارید قوله هو ان رأس المال الانساني هو عملية فردية لکن رأس المال الاجتماعي هو نتیجة لشبکة من العلاقات الاجتماعية، تساهم في التضامن الاجتماعي والمشارکة الاجتماعية، کما تساهم في تعزیز امکانیات المجتمع وقدرات، وبالتالي تکون ما یصطلح علیه الجماعة(Community). فهذه الجماعة لاتکون بالضرورة جماعة تشمل مجموعة افراد من منطقة واحدة، بل یمکنها ان تکون جماعة من الحرفیین والمتخصصین، أو جماعة من السیاسیین الذين یساهمون في تکوین رأس مال اجتماعي من خلال علاقاتهم السیاسية. ومهما یکن اقترح ان نعود إلی مبادءنا الدینية وان نقوم بتحلیل هذه الظاهرة لنبين کیف یمکننا ان نحدید مفهوما خاصا لرأس المال الاجتماعي. إن أساس رأس المال الاجتماعي الاسلامي لا یقوم علی العلاقات الفردية بین الأشخاص فحسب، بل یشمل علاقة أخری وهي علاقة الناس بخالق الکون(وهذا ما لایتم الاهتمام به في الثقافة الغربية). فعلاقتنا بالله سبحانه وتعالی من جهة، وشبکة العلاقات بین اعضاء المجتمع من جهة أخری، یساهم في تکوین رأس مال یمکن المجتمع من مسايرة أهدافه بصورة أكثر فعالية.
وکذلک نری کیف یقوم هؤلاء بتعریف”التنمية المستدامة”. کانت التنمية الصناعية ترتبط بالقطاع الصناعي فحسب. وبعد ذلک اتضح لهؤلاء بأن البیئة قد تضررت، وأثر ذلک علی حیاة الإنسان؛ هذا الأمر دفعهم للتفکیر ببرنامج تنمية جدیدة وهو التنمية المستدامة. فأخذوا یفکرون بکافة جوانب التنمية المستدامة؛ أي بالبیئة والاقتصاد والحیاة الیومية للانسان. لکن بالرغم من ذلک لم تؤدي هذه التنمية إلی النتائج المطلوبية، لأنها لم تساهم في استمرارية عملية التنمية؛ فالتنمية هي عبارة عن برنامج یبدأ من شيء وینتهي إلی شيء آخر. لکننا وفي تعریفنا للتنمية نقول: یجب ان تکون التنمية واسعة تشمل حیاة الدنیا إضافة إلی آخرة. قال الإمام الحسین(ع): الموت لایعني الزوال بل هو جسر یربط هذا العالم بالآخرة. فالتنمية بالنسبة لنا تعني الانتقال من العسر إلی الیسر، والحیاة لاتنتهي بانتهاء هذه حیاة..
وعلیه إذا أردنا ان نعرف التنمية المستدامة، علینا ان نأخذ بعین الاعتبار الاعتقاد بیوم القيامة، فعلی ضوء هذا التعریف فقط یمکننا ان نضمن الخلود؛ لکن إذا قمنا بتعریف وتفسیر التنمية بناء علی المفاهیم الغربية، یتم تجاهل العدید من الأسس والاعتبارات. وبحسب تعریفنا الاعتقادي للتنمية، إذا کان مؤشر x هو القوانین والشرائع الالهية وبشکل عام رضا الله سبحانه وتعالی، فان مؤشر y وهو التنمية المستدامة سیکون تابعا لمؤشر x وغایته.
ما أرید قوله هو ان استخدامنا للمصطلحات یجب ان یکون مطابقنا لمعتقداتنا وثقافتنا الإسلامية، لذا فاننا بحاجة إلی عملية إعادة صیاغة لبعض المصطلحات لتکون مستوحاة من المعرفة والثقافية الإسلامية ومواءمة لها. فعندما قمنا بإعادة تعریف هذه المصطلحات بحسب تصورنا الإسلامي، یمکننا ان نحدد تعاریف ومفاهیم لرأس المال الانساني. برأيي ان رأس المال الاجتماعي مفهوم ذات أرکان متتعدة. أما الرکن الثابت لهذا الفهوم(بالنسبة لمجتمعنا بوصفه مجتمعا دینیا) هو الارتباط مع الله سبحانه وتعالی، لأن کل العلاقات الأخری یمکنها ان تنتهي؛ أي أن کافة العلاقات الاجتماعية الأخری هشة ومعرضة للانهیار. ان نسبة هذه الهشاشة في کل مجتمع تتعلق بنسبة الهشاشة الحزبية والفردية والفئوية.

بهشتي بور: ما أشار له السید عاملي خلال حدیثه موضوع مهم وجدیر بالدراسة والبحث لأنه یرتبط بالعلاقة بین المعتقدات الإسلامیة من جهة والثقة العامة من جهة ثانیة. إلی ذلک ان هناک دراسات تؤکد علی أهمیة البعد المعنوي للرأس المال الاجتماعي أکثر من البعد المادي، ذلک لأن رأس المال الاجتماعي وخلافا لرأس المالي الاقتصادي لایمکن رؤیته وتقییمه بناء أعداد وأرقام. في الاقتصاد یمکننا أن نحدد نسبة رأس المال؛ فالمال والبضائع تستخدم کأداوات للانتجاج والتصدیر، وبناء علی هذه الأدوات الاقتصادیة یمکننا ان نحدد نسبة الربح ونسبة الخسارة، لکن بالنسبة لرأس المال الاجتماعي فالأمر مختلف تماما. لقد تمت دراسة کیفیة التضامن بین ابناء الشعب الواحد، ومدی تأثیر هذا التضامن علی زیادة الانتاج الاقتصادي وحتی السیاسي. فهذا یرتبط برأس المال الاجتماعي بحیث لایمکن تحدیده بالأرقام، لکن في نفسه الوقت له نتائج واضحة وملموسة، وسبب ذلک هو ان هناک إرادة تقف وراء هذه العملیة. ما أرید قوله هو ان الترکیز علی الجانب المادي لرأس المال الاجتماعي لیس کافیا، فحتی في الدول الغربیة یتم الترکیز علی الجوانب المعنویة لرأس المال الاجتماعي إلی جانب الجوانب المادیة. أما بالنسبة للأفق الذي تحدث عنه السید عاملي، هو افق جدید وواسع في نفس الوقت، حیث لم یطرح ولم یتحدث عنه أحد من قبل هذا الشکل.

سبحاني: أنا انظر إلی رأس المال الاجتماعي کأداة یمکن امتلاکها وتوظیفها في قضایا مختلفة. کما ان کل مجتمع یمکنه ان یمتلک رأس مال انساني. في المجتمعات الغربية، أدی اجماع ابناء هذه المجتمعات علی بعض الأعراف والمعتقدات الاجتماعیة، أدی إلی صیاغة قانون أساسي. وفي القوانین الأساسية للبلدان الغربية، تم تحدید أرکان القوة إلی جانب رسم خارطة طریق لکیفیة تعامل هذه الأرکان. فبناء علی نسب محددة تم الاتفاق علی ان تحکم تلک القوانین في مجتمعاتهم. وعندما قامت المؤسسات بتأدیة دورها وفقا للقوانین الأساسیة، تکونت الثقة بین الشعب و بین القائمین علی تلک المؤسسات، وهذه الثقة نفسها هي التي تمهد الأرضیة للمشارکة العامة التي أشار لها السید عاملي؛ أي ثقة تامة بکون الذین تعهدوا بالالتزام بالقوانین وتطبیقها یقومون بتأدیة واجباتهم بصورة مقبولة.
في الحقیقة انهم یمهدون الأرضیة إلی التطور أو ایجاد تغییرات إیجابیة أو حتی القیام بخطوات قد تبدو صغیرة جدا لکنها في الحقیقة ممهدة لایجاد تغییرات مجتمعية کبیرة في المستقبل أو علی المستوی البعید. بالنسبة للاقتصاد ایضا کذلک. ثم ان الثقة العامة تعرف عبر رأس المال الاجتماعي؛ فکلما زادت الثقة بین الشعب والمؤسسات التابعة للحکومة والعاملة وفقا للقانون الأساسي، توثقت العلاقة بین الجانبین وازداد بینهما التعاون المشترک. وکذلک ستزداد نسبة تمکن الشعب علی مواجهة الأزمات التي سوف یواجهها. فهذه الظاهرة یمکنها ان تطبق في کل المجتمعات وفقا للثقافة والأعراف والمعتقدات السائدة في کل مجتمع.
إن اشارة السید عاملي کانت في محلها، لکن یمکننا ایضا ان نقول بأن رأس المال الاجتماعي هو مفهوم لایرتبط ببیئة جغرافیة محددة؛ کقضیة النمو والتطور. فالنمو مفهوم لدیه معانیه ودلالاته الخاصة في کل البیئات ولدی کل المجتمعات. وقد قیل بعض الأحیان اننا إذا استطعنا ان نصبح کالآخرین فهذا معناه اننا تقدمنا، وبما اننا قبنا هذا التعریف من التقدم والتطور، واجهنا النتائج السلبیة المترتبة علی قبوله، وهذا یعني أننا جعلنا انفسنا عرضة للتعاریف والمفاهیم الخاطئة. بالنسبة للنمو والتطور الاجتماعي ایضا کذلک. وبما ان مجتمعنا یعد مجتمعا اسلامیا فهذا یعني اننا نمتلک هذه الأرضیة؛ وهذا جید من جهة لکنه من جهة أخری محزن ومؤسف في نفس الوقت، لأننا لم نتمکن لحد الآن من تحقیق القیم الاسلامية علی المستوی الاجتماعي. أما عن أسباب عدم التمکن هذا یمکن القول: إن هناک أسباب مختلفة تقف وراء هذا الفشل.
فهيمي فر: إن عنوان هذه الندوة یتکون من ثلاثة مفاهیم: رأس المال الاجتماعي، والثقة العامة والنظام السیاسي. یبدو انه إذا استطعنا ان نوفق بین هذه المفاهیم وان نحدد فرضیات بناء علی هذه المقولات الثلاثة آنفة الذکر، یمکننا ان نحدد إطارات خاصا للمواضیع المرتبطة بالبحث. إن الإنسان رأس مال. فدراسة الإنسان بوصفه رأس مال اتجاه من اتجاهات الدراسات الثقافیة التي ظهرت في القرن الـ20.
إلی جانب النظریة القائلة بأن أدوات الانتاج وتطورها والمال والمصانع والشرکات و..الخ کلها رأس مال؛ هناک نظریة أخری تقول بأن الإنسان هو أکبر رأس مال بل أثمن الموارد التي تمتلکه الدول. إن هذا رأس المال الذي یتمثل في رأس المال الاجتماعي والعام، موجود في کافة البلدان بشکل خفي، لکنه یظهر نفسه عندما تکون هناک ثقة عامة، فعند ذلک یتحول بالفعل إلی رأس مال یمکن توظیفه. والثقة هي حالة یتبعها نظام أو إطار خاص من العلاقات الاجتماعیة والتواصلیة.
تخیلوا ان ابناء الشعب الواحد لیس لدیهم ثقة ببعضهم البعض، ماذا سوف یحصل؟ سیتم فقدات الکثیر من النشاطات الاجتماعیة بما فیها النشاطات الاقتصادیة. في تلک الحالة سنصبح کاللذي یجد نفسه في منطقة خطرة علی سبیل المثال منطقة هارلم في مدینة نیویورک. ففي تلک المدینة لایمکن للمرء ان یثق بأي شيء؛ حتی بالسیارة التي توقفت من أجل ایصاله إلی المکان الذي یرید الذهاب الیه. إذن ان رأس المال الاجتماعي یتحول إلی أداة فاعلیة عندما یکون هناک ثقة متبادلة بین ابناء الشعب الواحد من جهة وبین المستوی الرسمي الذي یحکم البلاد. إن البعض یعتبر رأس المال الاجتماعي استراتیجة سیاسية للبلدان التي تکون فیها الحکومات تستند إلی القاعدة الشعبیة. إن بلادنا تختلف عن الدول الأخری لاسیما تلک الدول توفر القوی العاملة من البلدان الأخری… ففي بلدنا أساس النظام یستند إلی الشعب، والاعتماد علی الشعب یعتبر استراتیجة تم التأکید علیها منذ بدایة الثورة الإسلامیة، حیث أکد الإمام الخمیني علی اهمیة الاعتماد علی الشعب بوصفه أهم الاستراتیجیات، وبقیت هذه الاستراتیجة مستمرة إلی یومنا هذا.
أما الآن ارید أن أشیر إلی مقدمة للدخول في بحث وسائل الاعلام. یبدو انه في الأعوام الأربعین الماضية، لم یتم التعامل مع هذا الرأس المال کما ینبغي، ما أدی إلی اضعاف الثقة العامة. لا أقول اننا افتقدنا الثقة العامة بشکل نهايي، لکن تأثرت هذه الثقة بما شهدته السنوات الماضية، وهذا یشکل خطرا علی البلدان والأنظمة التي تستند إلی الشعب. نحن استطعنا أن نواجه أکبر فتنة عبر الاعتماد علی هذه الثقة العامة؛ ألا وهي فتنة الحرب المفروضة، فهذه الثقة العامة هي التي ساعدتنا علی تخطي الأزمة. فکان ابناء الشعب یتنازلون عن قوتهم الیومي ویرسلونه إلی جبهات القتال بکل فخر.
وهناک حقیقة لابد من الاعتراف بها وهي ان أساس الثقة العامة في مجتمعنا هو الدین الإسلامي. فعندما تکون شخصیة دینیة کالإمام الخمیني(رض) وقائد الثورة الإسلامیة، علی رأس الحکم، ستتکون الثقة العامة بنفسها دون التخطیط لها. واننا عندما نقول شخصیة دینیة لانقصد شخصا بعینه، بل نقصد تیارا یکون حکومة اسلامیة یعطیها هویة ثقافية محددة. ثم ان أداة الحصول علی الثقة العامة لهذه الحکومة هو الشفافیة والابعتاد عن سیاسة الخداع والاحتیال.
أینما فقدت الثقة بالمعلومات المقدمة کثرت الشائعات والأکاذیب. في الوقت الراهن وبسبب کثرة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الظروف مناسبة للعدو لاستغلال الموقف ونشر أکاذیبه في محاولة للتأثیر علی الرأي العام. وقد نغفل بعض الأحیان التأثیرات التي تخلفها هذه الوسائل علی ثقافتنا واقتصادنا ومجتمعنا. انا اقوم بمتابعة الآخر المستجدات المرتبطة بالسینما. وبشکل مفاجئ حصلت علی معلومات تتحدث عن هيمنة أحد التیارات علی مهرجان فجر السینمائي في محاولة لتحویل هذا المهرجان إلی خطاب خاص ومحدد. ففي هذا المهرجان یتم السماح بالمشارکة لأفلام خاصة(قریبة من التیار المسیطر) في حین تصبح الحکومة وهي الجهة المشرفة علی المهرجان عاجزة عن مواجهة هذه السیاسة، وسبب ذلک هو ان هذا التیار الذي تحدثنا عنه آنفا استطاع عن یکوّن خطابه، فاصبح هذا الخطاب خطابا ذات مفهوم وفي نفس الوقت یمتلک القدرة علی فرض سلطته.
من جهة ثانية، ان وسائل التواصل الاجتماعي لدیها القدرة علی نقل المعلومات للشعوب، کما انها سلبت من الحکومات إمکانية فرض الرقابة علی عملیة تبادل المعلومات. هذا الأمر یفرض علی الأنظمة والحکومات اللجوء إلی الشعوب وإعادة کسب ثقتها. برأيي یجب أن نتجاوز مرحلة اطلاق الشعارات لنصل إلی مرحلة المراهنة علی الشعب وقدراته. إن عملية إعادة کسب ثقة الشعب تتم من خلال الشفافية والمصداقية والعمل بالواجب، فالابتعاد عن هذه الأمور یؤدي إلی فقدان الثقة العامة، وفقدان الثقة العامة یعني فقدان أهم رأس مال تمتلکه الدول. کما ذکرت آنفا، ان ایران لیس لدیها قنبلة نووية ولیست تابعة للدول الأخری. فقوة الجمهورية الإسلامية الإیرانية تظل مرتکزة علی الثقة العامة ورأس المال الاجتماعي. إن ممارسة سیاسة الخداع والکذب، وعدم الالتزام بالواجبات، وعدم المصداقية، والتمييز، وعدم التجاوب مع مطالب الشعب، والفساد المالي والاخلاقي، کلها قضایا تؤدي إلی فقدان الشعب ثقته ودعمه للنظام والحکومة.
لاشک ان أهم سلاح امتلکه(وتمتلکه الآن) الثورة الإسلامیة هو المشارکة الشعبیة. فکلما واجه البلد تحدیا شهدنا نزول ابناء الشعب إلی الساحة، ومن خلال هذه المشارکة الشبعیة وبتوجیهات من القیادة تمکن البلد من النجاح والتغلب على أقسى أنواع الأزمات. إذن ان توظیف رأس المال الاجتماعي أو تفعیله لدیه علاقة تامة بالحصول علی الثقة العامة. ومهما یکن ان ما تقدم ذکره کان مقدمة لطرح السؤال الأساسي وهو: کیف یمکننا ان نحصل أو نعمل علی إستعادة الثقة العامة في المجتمع؟ هل ینبغي ان نعمل علی تکوینها انطلاقا من العقلانية أم الأحاسیس والعواطف؟
یظهر مما تقدم ان بحثنا هذا غاية في الأهمية. نحن نستطیع نوظف الثقة العامة ونستخدمها کما نسخدم المال، وهذا الأمر یشکل خطرا کبیرا علی البلاد. فقد یصبح أحد رجال الدين أسوة في مدینة أو قرية من القری، لکنه لایهتم إلی الأسباب التي جعلت منه أسوة یقتدی بها. لاشک ان سبب تحول هذا الرجل إلی اسوة هو ان الشعب یراه شخصا صادقا یسیر علی نهج الرسول الکریم(ص).
مع الأسف الشدید قد کثرت الأفکار القومية والعودة إلی الماضي، لأن الأرضية ممهدة لانتشار هذه الأفکار وذلک بسبب البنية التاريخية للبلاد. ثم الأنظمة الملکية قد أقیمت بحسب تصورات اسطورية، فقد تم تبریر سیاسات هذه الأنظمة عن طریق الأساطیر والقصص المرتبطة بها. وکذلک بعض الثورات العربية التي إندلعت عن طريق الاصطباغ(ظاهریا) بالصبغة الدينية أو الأساطیر القومية. لذلک فأنا أری بأننا یجب ان نعمل علی تغییر عقلية الشعب وحثه علی الاهتمام بباطن الأمور وعدم الاکتفاء بظواهرها. مع الأسف الشدید ان هناک بعض الشخصیات الدینية قامت بعمليات احتیال وخداع مما أدی إلی تشویه سمعة رجال الدين. فعلی سبیل المثال قد یقوم أحد السحرة أو الكهان والمشعوذين أوالعرافين بتصرف غیر لائق مع أحد النساء؛ ماذا سیقول الناس بعد ذلک؟ بالطبع لاینظر إلی ذلک الشخص کساحر أو مشعوذ فحسب، بل سیقال أنه مرتبط بماوراء الطبیعية وسینسب إلی الشخصیات الدینية.
إن الثقة الاجتماعية یجب ان تستند إلی العلاقنية، لذا لایمکن الحصول علی الثقة عبر استخدام القوة واعتماد سیاسة الترهیب. وهذا یؤکد لنا ضرورة العمل علی عقلية الشعب وتکثیف العمل التوعوي من أجل تعزیز الثقة العامة. والمسؤولية في هذا الجمال تقع علی عاتق وسائل الاعلام والمساجد والأوساط الدینية وکذلک الأسر. وعليه یمکن القول إن الثقة العامة هي الایمان(قلبا) بالأسس والمباني الثقافیة والفلسفیة التي یقوم علیها النظام.
وسائل الاعلام؛ خاصة الاعلام الحکومي، هي أهم رأس مال نمتلکه في العصر الراهن. ثم ان التفزیون هو أکثر وسائل الاعلام تأثیرا علی الرأي العام، لافي ایران فحسب بل في کافة دول العالم. فلا أحد یمکنه إنکار دور التلفزیون في بلورة الرأي العام والأفکار والتصورات وبالتالي التحکم في مسار الأحداث. أما عن أهم رأس مال بالنسبة لوسائل الأعلام یمکن القول إن “الثقة العامة” هي أهم رأس مال تمتلکه هذه الوسائل. ومهما یکن فالحقیقة هي ان السؤال الأساسي یدور حول قضیة الأسس والمباني الرئیسیة للثقة العامة. هل هي القلانیة أم التعبّد دون العقلانیة؟ إن لکل هذه المباني نتائج وتبعات. ثم ان في الفکر الشیعي یعتبر الاعتماد علی العقل أهم من التعبد المحض الذي لایستند إلی العقل. لذلک قیل: «انظُر إلی ما قالَ و لا تَنظُر إلی مَن قال». وهذا یعني ان الثقة یجب ان یکون لها مباني لاتتناقض مع العقلانیة؛ ففي الإسلام المقصود من التعبد هو العبادة المصحوبة بالعقلانیة.

زورق: إننا نستطیع أن نستمر في برنامجنا للتنمية ونطوره، وکذلک یمکننا ان نقوم بصیاغة برنامج تنمية جدید. فتطویر برنامجنا التنموي هو ذلک الذي یطلق علیه في الادبیات الاسلامية”السیر إلی الله”. إن تطویر برنامج التنمية یعني الارتقاء بمیولنا الذاتية؛ أي میولنا نحو الصفات الربوبية کالمیل نحو القوة والعدالة والعلم والجمال والمحبة وخلق الأشیاء الجدیدة، بشرط ان تکون هذه المیول بعلم ولاتتناقض مع الشرائع الالهية. فإذا قمنا بتطویر میولنا بعلم مسبق(وعبر معرفة الذات) وبشکل لا یتناقض مع الأحکام الالهية نکون قد ارتقینا بدرجاتنا الوجودية؛ فمعرفة الذات تعني ان الانسان بوصفه ممکننا فهو محتاج بشکل مطلق، ومعرفة الله تعني معرفة الخالق بوصفه واجب الوجود المطلق. لذلک نقول بأننا نملک تنمية وجودية وتنمية موجودة. ففي التنمية الموجودة نقوم بتطویر المیول الفطرية کالمیل إلی القوة والعلم والجمال والعدالة والمحبة وخلق الأشیاء الجديدة، لکن في الغالب تکون هذه التنمية تحدث دون علم مسبق ودون معرفتنا وکذلک دون مراعاة السنن والشرائع الإلهية، وفي هذه الحالة ستصبح العدالة هي الضحية؛ أي حتی لو تم استحداث أشیاء کبیرة کانتاج تقینات جدیدة ومتطورة وخلق فنون فريدة وصناعة حضارات کبیرة لکن لم نتمکن من صناعة الإنسان ذات الأخلاق النبیلة الرفيعة. إن ما کان یتوقعه المجتمع من الثورة الإسلامية هو العمل في مسار التنمية الوجودية علی حساب التنمية الموجودة. أما المعالم الرئيسية للتنمية الوجودية تتلخص في إیادة نسبة العدالة الاجتماعية ومحاربة التمییز، وخدمة الشعب، ومحاربة الانتهازیین وتعزیز روح التضحية والاخلاص بین النخب. إذن إن المؤشر أو المیزة الأساسیة للتنمية الوجودية هو العمل في مسار تحقیق العدالة الاجتماعية. إن المجتمع کانت یتوقع تحقیق العدالة في کافة المجالات الاقتصادية والثقافية والسیاسية. فالثورة لم تأت لتواصل مسیرة التنمية الموجودة. المتوقع کان اعتماد برنامج للتنمية الوجودية إلی جانب التنمية الموجودة. لکن في العقد الأول من الثورة واجهنا الحرب، وفي العقد الثاني بدأنا التفکیر بالاعمار والتطوير لکننا واجهنا بعض الاشکالیات وکذلک بعض الاشکالیات، هذا بالإضافة إلی استشهاد بعض النخب الفکرية، کالشهید مطهري والشهید بهشتي وشخصیات کبیرة أخری. اما الشخصیات الأخری التي کانت في الساحة هم اولئک الذین قد انشغلوا بالأعمال التنفیذیة.
والحقیقة هي اننا لم نکن نمتلک رؤية(ذهنية) خاصة تجاه التنمية الموجودة والتنمية الوجودية. فالأفق کان مظلما نوعا ما، وفي الطرف المقابل کانت هناک رؤية عملية رأیناها نصب أعیننا، ألا وهي نموذج التنمية الغربية؛ أي نموذج علماني مبني علی التنمية الموجودة دون التنمية الوجودية. فالثقافة الغربية تربي أجیال یأکلون ویشربون ویلبسون جیدا، ویعیشون بشکل جید ایضا، کما ان البعض منهم قد یتحول إلی مزیج من عدة حیوانات، لکنهم في النهاية لا یفهمون معنی الحياة ولایعلمون ماهي فلسفة وجودهم وماهي مبدائهم وقیمهم في الحیاة؟! فالشعوب في الغرب تمتلک أشیاء کثیرة کالخدمات الصحية والمشاغل والممتلکات ولدیها بطاقات ائتمان واشیاء مادية أخری، لکن الشيء الوحيد الذي لاتمتلکه تلک الشعوب هو “الوجود”؛ فهؤلاء اصبحوا أناس بلا غاية…
وتشهد الدول الأوروبية سنویا العدید من حالات الانتحار بسبب رفض جميع المبادئ الدينية والأخلاقية، و الإعتقاد بأن الحياة لا معنى لها. ثم اننا وبسبب اعتماد التعاریف والنماذج الغربية للتنمية، قد اغفلنا قضية التنمية الوجودية. لربما یعود سبب ذلک إلی عدم اهتمامنا بهذه القضية في بداية انتصار الثورة لأننا کنا في غنی عنها. لذا فاننا قد اعتمدنا النموذج الغربي للتنمية، وهذه الأمر قد حدث في مرحلة صادفت (بقصد أو دون قصد) فترة حکومة مارغريت هيلدا تاتشر(في بریطانيا) و ميخائيل غورباتشوف(في الاتحاد السوفيتي). لذا طرحت من جدید قضایا اقتصادية کقضیة الخصخصة و «إعادة الهيكلة»(برنامج للإصلاحات الاقتصادية) وقضایا سیاسية کقضية الشفافية السیاسية واعتماد سیاسية الأبواب المفتوحة، فکل هذه القضایا کانت تهدف للوصول إلی التنمية الموجودة، فکنا نبحث عن إجابة لهذه الأسئلة: ماذا ینبغي ان تکون نسبة الانتاج؟ وکم سدا یجب ان نقوم بتدشينه؟ وکم مصنعنا یجب ان ندشتن؟ وکم فرصة عمل یجب ان نوفر؟ لکننا لم نطرح السؤال الرئیسي الذي هو: کیف ننمي انسانية الانسان؟! فتلک الاستراتیجية أدت إلی اغفال التنمية الوجودية التي تعتبر العدالة العنصر أو المؤشر الأساسي لتحقیقها.
لاشک ان العدالة هي عنصر اساسي في الحیاة الاجتماعية الاسلامية. إن العدالة هي أساس للتنمية الوجودية والتنمية الموجودة ایضا، لکن مع الأسف الشدید ان النخب في مجتمعنا ارتکبوا اخطاء عندما انجروا وراء المخططات الغربية. إن مصطلح (Great Game) أصبح مصطلحا معروفا في الخطاب الغربي. ان الغرب یقوم بصياغة المخططات ثم یقوم بتنفیذها. ففي إیران قامت القوی الغربية بتنفیذ لعبة کبیرة بعد انتهاء الحرب المفروضة. فماذا کانت تلک اللعبة؟ کانت عبارة عن ربط الملکية بالإدارة والاشراف؛ في حین لاتوجد علاقة مباشرة بین الملکية والادارة في العصر الراهن. في العصر الراهن لدینا أشخاص یملکون لکنهم لایقومون بالاشراف، فالذي یقوم بالاشراف هو المدیر ولیس بالضرورة ان یکون مالکا. علی سبیل المثال نشیر إلی السید ماتسوشیتا صاحب شرکتي ناسیونال وباناسونيك. قام ماتسوشیتا بتدشن أکاديمية لتربية المدراء الذي سوف أراد منهم إدارة المصانع التابعة لشرکاته. وکذلک شركة ماكدونالدز(إحدى أكبر سلسلة مطاعم الوجبات السريعة في العالم)، لدیها یوما أکثر من 40 ملیون زبون حول العالم والسید ماكدونالدز بعیدا عن شرکته منهمک علی صیاغة اسراتیجیات امریکا للتعامل مع ملفات افغانستان والعراق وسوریا. والخلاصة هي انه کلما کانت الادارة علمية-في القطاع الحکومي أو القطاع الخاص- صاحبها التقدم والتطور، وکلما کانت الادارة بعیدة عن العلم النتيجة کانت التخلف وعدم الرقي والتقدم. فبریطانیا في زمن الملکة فیکتوریا وعبر هذه الاستراتیجة التي تمثلت في تأسیسها شركة الهند الشرقية، استطاعت ان تمحو الهند من الخارطة بالرغم من قلة عدد سکانها مقارنة بعد سکان الهند. انها قامت بهذه الخطوة عبر ادارة حکومية منهجة، وسر نجاحها هو اعتمادها علی الادارة العلمية لمخططها هذا.
إن الأعداء وفي اللعبة الکبری، زرعوا هذه الفکرة في مخیلتنا بهدف التأکید علی أن الملکیة ترتبط بالإدارة. وبعد ذلک قالوا: بما انکم تعانون من أزمة معالیة، یجب علیکم التنازل عن کل شي… وهذا یعني اولا ان الإدارة الحکومیة لاتجدي نفعا، وثانیا یجب علیکم التنازل عن کل شيء لیتحول إلی القطاع الخاص.
وخلاصة القضية ان اقتصادنا الحالي محاط بنظریات تاشیر وجورباتشوف الاقتصادية. إضافة إلی ذلک، یسعي الغرب حالیا لتقویض أهم عناصر التنمية وهي العدالة الاجتماعية. إن النظریات الاقتصادية الغربية مستولية علی اقتصادنا، وهذا ما أدی إلی تحقیق نتائج عکسية أثرت بشکل سلبي علی المجتمع. فعندما نکشف قواعد اللعبة الغربية یمکننا ان نری کیف قام هؤلاء باستهداف رأس مالنا الاجتماعي وبالتالي زعزعة الثقة العامة في مجتمعنا. لذا لابد علینا ان نعرف عدونا أولا ثم معرفة الأدوات التي یوظفها العدو ویجرنا من خلالها وراء مخططاته. إن الغرب تحدث معنا عبر النظریات التي اطلق علیها نظریات علمية ومن خلال ذلک حاول ترسیخ ما یرید تحقیقه في أفکارنا. کما قام بالتأثير علینا عبر برامج التنمية والنظریات المرتبطة بها. ومع الأسف الشدید النتيجة کانت هي ان العدید من النخب في مجتمعاتنا اصبحوا یمیلون إلی النمط الغربي. فالغرب خدعنا عبر نظریاته الاقتصادية والفلسفية والسیاسية والاجتماعية. إن الثقة بنظام الجمهورية الإسلامية لازالت عالية بین الذین فهموا منذ البداية المخططات الغربية فلم یتبعوها خوفا من الانزلاق.
کما ذکرت آنفا ان العدو یرید استهداف الثقة العامة في ایران، وهذه المحاولات العدوانیة مستمرة منذ انتصار الثورة الإسلامیة إلی یومنا هذا. فمهمة مراکز الاستشراق الناشطة في الغرب، هو التخطیط لتحقیق هذا الطموح. وفي السنوات الأولی لإنتصار الثورة الإسلامیة حاول العدو ایجاد تباین بین التیار البیروقراطي والتیار الثوري. وقد تمکن العدو بعض الأحیان من بلوغ اهدافه في هذا المجال. أما أهداف العدو من ایجاد هذا التباين بین هذین التیارین هو اظهار عدم نجاعة البیروقراطية والتکنوقراطية .
العمل الآخر الذي قاموا به هو العمل علی إشاعة سوء الظن في المجتمع؛ أي النظرة السلبية للأمور. مع الأسف بعض وسائل الاعلام ایضا انخدعت وأصبحت تروج للأفکار التي تجمل صورة الغرب وتشوه سمعة ثقافتنا.
إن محاولات العدو لإضعاف الثقة العامة استهدف معتقدات الناس ایضا. لذلک یشهد مجتمعنا حالیا ازدیاد غیر مسبوق للدعایة الهادفة لنشر لخطاب المناهض للقرآن والتعالیم الالهیة. ونتیجة ذلک نری ان بعض الشباب وبعد التأثر بدعایة العدو یصبح بلا دین ولا أمل ولا معتقدات لادینیة ولاوطنیة! صحیح ان هؤلاء قلة لکنهم یشکلون خطرا علی المجتمع.
قزوه: یجب علینا ان نحدد الفترة الزمنیة التي حدثت فیها هذه التطورات. ولاینبغي علینا ان نبحث عن الجهات المسؤولة عن تلک الأحداث، لأن هناک مجموعة من الأسباب والتطورات أدت إلی ذلک. إن الثورة مدانة لکافة الأشخاص الذین ضحوا بانفسهم وأموالهم لإنجاح الثورة لنصل إلی ما وصلنا الیه من مکانة علی المستويين الاقلیمي والدولي. إن المغفور له، ایة الله هاشمي رفسنجاني تولي الرئاسة في ظروف کانت إیران تمر في تطورات علی المستوی الداخلي والخارجي ایضا. لقد تمت الإشارة إلی التأثیرات الخارجية التي شهدتها ایران في فترة حکم ميخائيل غورباتشوف في الاتحاد السوفييتي السابق، وفترة رئاسة مارغريت هيلدا تاتشر لوزراء المملكة المتحدة. فقد کانت لسیاسات تاشیر تأثیرات جمة علی الاقتصاد الإیراني، بحیث انها اثرت علی الاقتصاد الإیراني أکثر من تأثیرها علی الاقتصاد البریطاني. وهنا أرید اوجه سؤال للسادة الذین لدیهم تجربة العیش في بریطانیا؛ فهل أثرت توجهات السیدة تاجر علی اقتصاد الملکة المتحدة؟ ومهما یکن کان لتلک التعالیم تأثیرا بالغا علی الاقتصاد الإیراني.
إلی جانب ذلک، کان ایة الله رفسنجاني قد تولي الرئاسة في فترة کان صدام قد دمر فیها البنیة التحتیة الإیرانیة. من جهة ثانیة، کان النخب یترددون علی الدول الغربية، وغالبیتهم کانت لدیهم توجهات غربية. ففي تلک الفترة والظروف، قام ایة الله رفسنجاني بفعل کل ما بوسعه. فأقل ما قد قام به هو إعادة إعمار البنیة التحتیة التي دمرت بفعل الحرب. لذا لاینبغي علینا نوجه الأخطاء لشخص بعینه ونحمله مسؤولية بعض الأحداث. فالمهم الآن هو معرفة الظروف التي کانت سائدة عند تکون هذه العملیة ثم نقوم بمعالجتها معالجة نقدية بهدف الاصلاح لا أقل ولا أکثر.

قزوه: إن هذا المؤشر الذي شهد ارتفاعا دفعة واحدة، لیس له علاقة بفترة حکومة ایة الله هاشمي، فبدایة الظهور کانت في الفترة التي تلت عام 88ش/ 2009 م.

زورق: لیس لدي تعلیق علی ذلک، لکن بشکل عام لایمکننا تصنیف الأحداث والتطورات الاجتماعیة وتسمیتها بناء علی تاریخ الانتخابات أو الفترات الرئاسیة.

عاملي: یجب علینا ان نرکز علی قضية أعم وأشمل من القضایا التي تمت الاشارة إلیها. وقبل کل شيء یجب علینا الاجابة علی هذا السؤال: هل نؤمن التشریعات والأحکام الالهية؟ فإذا کان الجواب نعم فهذا یعني اننا نؤمن بالحق والحق هو ضرورة یجب ان نلتزم بها في حیاتنا الاجتماعية. إن کلمة الحق قد تکررت في القرآن الکریک أکثر من 200 مرة؛ قال تعالي: { وما أرسلناک إلا بالحق}. فقوانين الحياة هي عبارة عن نظام محدد؛ کنظام جسم الانسان. فاذا قام الانسان بتناول مادة ضارة للجسم سوف یصاب بامراض نتیجة تناوله لتلک المادة. وکذلک إذا قام بخطوة ضارة للبيئة سوف یشهد نتیجة فعلته في المکونات البیئة. لحياة البشر ایضا قانون وطریق محدد قد رسمه الله سبحانه وتعالی في مجموعة أحکام بعثها للاسنان عن طریق انبیائه. وعلیه یمکن القول اننا لانستطیع ان نقوم باخراج معان عن رأس المال الاجتماعي والثقة الاجتماعية من جهات ومنظمات أو انظمة لاتؤمن أساسا بالعدل الإلهي.
والأمر الآخر هو اننا یجب علینا ان نتجنب الخلط بین المفاهيم والمواضیع. علی سبیل الثمال اذا قام أحد شخص ینتمي إلی مؤسسة دینية لایمکننا نقوم بالقاء اللوم علی تلک المؤسسة. فالمتدين إذا ارتکب خطأ لایمکننا ان نعتبر فعلته ناتجة عن تفکیر خاطئ، بل المشکلة ناتجه عن فهمه الخاطئ للدین، لأن أصل الدین لیس فیه مشکلة. ثم ان الفساد قد یجر الشخص نحو الهاوية، لذا نری بعض رجال الدين یقومون بافعال غیر لائقة.
وهناک حقيقة هامة لابد من الاشارة لها وهي انه کلما تعاظمت الهوة بین المعتقدات الاجتماعية والمعتقدات والقيم الدینية، سیواجه المجتمع تحديات کبیرة في کافة مجالات قد تؤدي به إلی الانهیار. وعلی رأس تلک التحدیات هو ابتعاد الناس عن الدین والدخول في مستنقع الازمات. ان نتائج آخر استطلاع رأي قمنا فيه في المدن التابعة لمدينة طهران ورکزنا فيه علی معتقدات الشعب الإیراني تبین لنا بأن المجتمع الایراني مجتمع متدین. وعلیه نقول لایوجد تباین(لحد الآن) بين المعتقدات الاجتماعية والقيم الدینية في ایران وإلا کنا قد شهدنا حدوث اشیاء خطیرة داخل إیران. شخصیا لا اتفق مع القائلين بأن المجتمع الإیراني اصبح مجتمعا منهارا، وسبب ذلک هو ان المجتمع الإیراني لدیه میزات أهمها العقلانية. فالمجتمع الإیراني مجتمع عقلاني محب للعقلانية وخلافا للرأي السائد ان احاسیسه لاتطغي علی عقلانیته.
زورق: لم أقصد بذلک ان المجتمع الإیراني ممزق ومنهار، بل أشاراتي کانت ترتبط بتلک الفئة التي لیس لها قيم ولامعتقدات، وهي معرضة لأن یتم استغلالها من قبل العدو، فمن هذه الجهة أقول بأن هؤلاء یمکن اعتبارهم قنبلة موقوتة تستوجب القیام باتخاذ خطوات لإفشال أي محاولة تهدف لإستغلال هؤلاء. شخصیا اری بأن أفضل خطوة یمکن اتخاذها في هذا المجال هي تعزیز وإرساء دعائم العدالة الاجتماعية.

عاملي: انا ارید ان اشیر إلی بحثا جدیدا یرتبط بالمجتمع. إن عالمنا في العصر الراهن یعاني من أزمات مجتمعية؛ وهذه الأزمة تشملنا وتشمل الغرب کذلک. وقد نقوم بذکر بعض الأدلة لنثبت بأن العقلانية الاجتماعية في الغرب أدت إلی انشاء نظام حقوقي یضمن الحقوق الاجتماعية، وکذلک استطاعت ان تحقق الرفاه الاجتماعي، لکننا نتجاهل حقائق أخری وهي سلبیات العقلانية الغربية؛ تلک العقلانية التي ساهمت في عملیات انتحار جماعية خارج المجتمعات الغربية.
إن الأفکار الغربية تروج لبعض الظواهر الاجتماعية التي تتعارض مع ثقافتنا ومعتقداتنا کالاختلاط بین الجنسین ونشر ثقافة تعاطي الكحول والمخدرات.. ففي عام 2006 م في أمریکا تم تخصيص 420 ملیار دولار للکحول. کما خصصوا 120 ملیار دولار لفعالیات غیر أخلاقية أخری أدت إلی ارتفاع حالات الاعتداء الجنسي علی الاطفال. والآن علینا ان نتسائل عن مدی نجاح المناهج والمبادئ الفکرية الغربية التي یسعي البعض لتعریفها بأنها نماذج یحتذی بها.
إن العقلانية في الأسس والمباني الدينية هي العقلانية الإلهية. العقل هو الآمر الناهي؛ في البداية ینتصر علی النفس ثم یصنع انسانية الإنسان. وفي المقابل تقوم النفس بمنع العقل عن العمل؛ فعقل الشخص الذي یتبع الأهواء النفسية لایعتبر عقلا سلیما. إن الليبرالية الجدیدة الغربية يسیطر علیها العقل الأداتي ولیس العقل الذي یکون أساسه التعقل والتدبر (اننا الیوم نشهد هيمنة العقل الأداتي على المجتمعات الغربية الحديثة). ولإثبات بطلان أفکار هذا المکتب یکفینا ان نلاحظ إلی أین تنتهي أفکار هذا المکتب. وتنتهي النظریات الغربي الجديدة بالتالي إلی السیدة “مادلين أولبرايت” صاحبة النظرية التي تقابل نظرية “صامويل فيليبس هنتنجتون”(هو عالم وسياسي أميركي). (طرحت أولبرایت نظریتها في کتابها المعنون: « The Mighty and the Almighty»؛ أي: العزيز والله العظيم: تأملات حول أمريكا والله والشؤون العالمية هي مذكرات عام 2006 كتبها مادلين أولبرايت ، وزيرة خارجية الولايات المتحدة السابقة. تنظر أولبرايت إلى دور الله والدين في ضوء الوضع العالمي الحالي وتقرر بأن الدين هو أساس السلام في العالم، خلافا لهنتنجتون الذي یری الأدیان هي أساس الخلافات والحروب)
في مقابلة لها وردا علی سؤال حول أسباب منع إدخال بعض الأدولية إلی العراق والذي أدی إلی وفاة 700 الف طفل عراقي، تقول السیدة آلبرایت: «کان قرارا صعبا لکننا قمنا باتخاذه..» فهذا التصریح یؤکد النظرة الواقعية؛ أي بناء علی القدرة التي تمتلکها یمکن للحکومة ان تقوم بتمریر سیاساتها حتی وان أدی ذلک إلی سقوط ضحایا وارتکاب مجازر.
إن هؤلاء قتلوا 100 ملیون انسان في افریقیا. مع الأسف الشدید نحن نغض النظر عن هذه الحقائق عندما نتحدث عن الثقافة الغربية. ما ارید قوله هو اننا نمتلک رأس مالا اجتماعیا ثمینا. إن رأس مالنا الاجتماعي في الدرجة الأولی هو الله سبحانه وتعالی. عندما اقول الله لا أعني مفهوما مجردا بل اعني مجموعة قوانین واحکام. وینبغي ان لانبتعد عن هذا المفهوم. ان العلمانية تنطلق من مبدأين أساسین: الأول: اللائكية. والثاني: الدین نفسه؛ أي کیفية التعامل مع الدين. والملاحظ ان کیفية التعامل مع الدين تؤدي إلی نشوء اللائكية… فالبعض یبعتد عن الدين ویصبح بلا معتقدات. وفي الطرف الآخر یقوم البعض بالسیطرة علی کل شيء باسم الدین، في حین ان الدین لیس هیمنة ولاسیطرة. ان منطق الدین یرفض الجبر الاجتماعي ویدعم التخییر. ان خلاصة الدین هي عبارة عن اعطاء الحرية وحق الاختیار للانسان.
وملخص القول هو اننا إذا اردنا ان نعزز رأس مالنا الاجتماعي یجب علینا ان نوفر الأرضية لتحقیق العدالة الاجتماعية لیصل الأفراد إلی حقوقهم المشروعة. وهناک نقطة هامة وددت الإشارة لها وهي ان کافة المباني الاجتماعية “الناجحة” في الغرب مستلهمة من الدین، لکنهم رفضوا الاعتراف بکونها مأخوذة من الدین، وهذا ما یؤکده أحد علماء الاجتماع في الغرب. ثم نحن وقبل کل شيء یجب علینا العمل علی صناعة مواطن قوي، ثم التفکیر بامتلاک رأس مال اجتماعي. برأيي ان الحكومة الإلكترونية هي عنصر اساسي لتنفیذ الاحکام الالهية والتوحید في المجتمع. ربما سیقول البعض ان هذا الکلام هو عبارة عن ادعاء کبیر.. علینا أن نتسائل أولا ماهو التوحید؟ ان أحد اهم میزات التوحید هو إزالة حالة السخط وعدم الرضا لدی ابناء البشر.. فمن أجل تحقیق هذا الطموح یجب علینا ان نقوم بتحدید نظاما اداریا آلیا.. ثم نقوم بمحاربة ظاهرة تلقي ودفع الرشاوي… ثم تقدیم الخدمات اللازمة لابناء الشعب دون تحدید شروط ودون تحیز.
إن أساس العدالة الذي أشار له أحد الأساتذة هو عنصر مهم لابد من الالتزام به، فوفقا لکلام الإمام علي(ع) ان العدالة هي أساس الالتزام بالاحکام الإلهية. فمن أجل تنفیذ العدالة یجب علینا ان نحدد نظاما خاصا لها. وعلیه لایمکننا ان نسعي لتحقیق العدالة دون تمهید الظروف اللازمة لها. فهذا النظام الذي نتحدث عنه یمکنه ان یمهد الطریق لإرساء دعائم العدالة في المجتمع.
قزوه: عندما نتحدث عن المواطنة والحقوق المرتبطة بها یجب ان نشاهدها في التصرفات الیومية لأبناء الشعب. أي یجب ان نری ابناء الشعب یتمتعون بکافة حقوقهم دون أي تمیز بین فئة وفئة أخری. برأيي ان احد المشاکل التي یواجهها المجتمع هي اتساع الهوة والاختلاف بین طبقات المجتمع وکذلک ابتعاد المسؤولین عن عامة الناس.

عاملي: إن “مایتجرال” یطرح فکرة حول العقل التواصلي والعقل التحلیلي. إن العقل التواصلي هو الذي یرتبط بالعلاقات والتواصل. ویؤکد صاحب الفکرة علی أن الشخص الذي لایمتلک أي شيء لایمکنه أن یشعر بمفعول الأشیاء التي لایمتلکها. لذا یؤکد ضرورة التعامل والتفاعل مع الظواهر من أجل فهمها. ویری بأن مصدر الخطا هو العقل التحلیلي. و العقل التحليلي هو الذي یصنعه العالم في مخیلته ویقوم بتحلیل الظواهر عبر هذا العقل، لیتوصل إلی ان هناك بَونٌ شاسع بین مایفهمه ویدرکه وبین الواقع المعاش. هذه نقطة هامة جديرة بالعناية والاهتمام.

قزوه: برأيي ان هذه المفاهيم تعد من المفاهيم المرتبطة بالثقافة. اننا قمنا بتجاهل الثقافة التي تعتبر البنية التحتية للمجتمع وقاعدة المثلث، واستبدلناها بالسیاسة. بما ان الثقافة تقع علی رأس الهرم لایمکننا ان نقوم بقلب الهرم لتصبح الثقافة في الأسفل. ومهما یکن فان هذه المفاهيم هي مفاهیم ترتبط بالثقافة. ونظرا لأهمية الثقافة، یعتبر وزیر الثقافة أهم من وزیر الخارجية لکل بلد. فمن هنا یجب ان نعالج الأزمات المجتمعية التي نواجهها.
النقطة الأخری هي إزدیاد میولنا نحو امتلاک القوة والسیطرة. قبل فترة اطلعت علی حکاية طريفة لها علاقة ببحثنا هذا. وجاء في الحکاية وهي هندية، إن ملکا في زمن سلطنة مغول الهند کان یقوم باختیار وزرائه بطریقة لیس لها مثیل، فقد کان یقوم باستبدال الوزراء کل عام مرة واحدة. وعملية اختیار الوزیر هي کما یلي: «في نهاية العام یقوم الملک بقطع ید الوزیر المنتهية ولایته ثم رمیها في الشارع، فکل من یمسک بتلک الید المقطوعة يعين وزیرا للملک لغاية سنة واحدة ابتداءً من یوم قطع ید الوزیر الذي سبقه! ثم وفي نهاية هذه السنة یقوم الملک بقطع یده ورميها في الشارع لاختیار الوزیر الجدید بطریقته الخاصة. الملفت للنظر ان الوزراء الذين قد قطعت ایاديهم یشارکون في مراسم قطع ید الوزیر المنتهية ولایته في محاولة للحصول علی الید المقطوعة عندما یقوم الوزیر برمیها نحو الناس. وعندما سأل أحدهم لماذا انتم هنا؟ یرد قائلا: لابأس، انا مستعد لخسارة الید الثانية بشرط أن أحصل علی ولاية ثانية!»
مع الأسف الشدید نشهد حالیا هذه الظاهرة في مجتمعنا(أي امتلاک القدرة والسیطرة). فهناک من المسؤولین من یسعي للحفاظ علی منصبه مهما کلف الثمن(وحب البقاء في السلطة هو رأس كل خطيئة). لماذا وصلنا إلی هذه الحالة؟ السبب الوحيد في صعود هذه الظاهرة هو إزدیاد حب البقاء في السلطة. وقد تکون هذه الظاهرة هي التي دفعت الناس للتوجه نحو العلمانية. فهناک حالة من اللامبالاة وعدم الاهتمام! فقد أصبح الناس بلا موقف تجاه بعض القضایا. لذلک إذا تحدثت لهم عن الفساد لایهتمون کثیرا. وکذلک ردة فعلهم نحو عدم المساواة في امتلاك ثورات البلاد.
ما أرید قوله هو اننا لانرید اشخاص انتهازیین لایعملون باخلاص، بل نحن بحاجة إلی شخصیات ثورية کالشهید آفيني. فقد کان یبحث بنفسه لیستکشف ما یحتاجه المجتمع، وبناء علی هذه الاحتاجات المتطلبات کان یقوم بانتاج الأفلام، أو یقوم بالکتابة لمالجة قضایا المجتمع، إضافة إلی تواجده في ساحات القتال، لان البلد کان بحاجة إلی مقاتلین في فترة من الزمن.
في الجهة المقابلة یوجد أشخاص تأثروا بالثقافة الغربية وتنازلوا عن معتقداتهم. فعندما ذهب هؤلاء إلی الغرب عادوا إلی البلاد وهم بلادين. وفي مقابل هؤلاء کان لدینا بعض الأشخاص کاقبال لاهوري والذي یعتبر المهندس المعماري للفکر الإسلامي، تعززت معتقداتهم وازدادت التزاماتهم الدينية بالرغم من تواجدهم في البلدان الغربية. إن اشخاصا کاقبال ماکانوا یهتمون بالمادیات اکثر من اهتمامهم بالاصلاح وبناء المجتمع. النقطة الأخری التي یجب ان تؤخذ بعین الاعتبار هي ان السیاسية یجب ان تکون مصحوبة بالحکمة والعقلانية.

خلیل الله بیات: إن قضية رأس المال الاجتماعي من القضایا الهامة والحساسة في کل المجتمعات. إن معتقداتنا الاسلامية مصحوبة بقسم کبیر من رأس مالنا الاجتماعي لذا لابد من المحافظة علیها ومواجهة کافة المحاولات الهادفة للنیل من معتقداتنا. علی المستوی الدولي، قامت القوی الاستعمارية بإنشاء داعش لتشویة السمعة العالمية للثورة الإسلامية(وان لم تکن هناک علاقة بین هذه وذاک). وبالعودة لرأس المال الاجتماعي یمکن القول: لو قمنا بدراسة تاریخیة حول القضایا المتعلقة برأس المال الاجتماعي لرأینا أکثرها قد ذکرت في نهج البلاغة. لاشک ان کافة الخطب والرسائل الواردة في نهج البلاغة یمکنها أن تکتب وتثبت في منظمة الیونسکو. فحسبنا ان نشیر إلی رسالة الإمام علي(ع) إلی مالک الأشتر؛ تلک الرسالة التي لم تکتب إلی مالک فقط، بل لجمیع الحکام في کافة العصور وفي کافة الثقافات. لذاک أری بأننا تقاعسنا في هذا المجال، لأننا لم نقم بدراسة تاریخية تؤدي إلی تأطیر بعض القضایا فغالبية المشاکل التي نواجهها حالیا مردها إلی ذلک التقاعس.
ارید ان ارکز علی الحلول التي یجب طرحها لتعزیز الثقة العامة ومواجهة کل ما یقوض هذه الثقة. فما هي الحلول التي یجب اتخاذها استعادة الثقة الاجتماعية؟ قبل کل شي أود التأکید علی أن فقدان الثقة العامة یتحول إلی ظاهرة خطيرة عندما یؤثر علی نسبة مشارکة الشعب في العمليات الاجتماعية والثقافية کالانتخابات. فإذا قلت مشارکة ابناء الشعب في الانتخابات، تکون العملية الديمقراطية ومعها النظام السیاسي في خطر. وسوف یعزز هذا الخطر ویصبح خطرا وجودیا عندما نصل إلی مرحلة عدم مشارکة الشعب في العملیات الاجتماعية بشکل کامل. برأيي ان هذه نقطة هامة جدیرة بالعناية والاهتمام.
وقد بدت لي جملة من الحلول لمعالجة هذه القضية ارید ان اشیر الیها الآن. أول الخطوات التي تساهم في عملية استعادة الثقة الاجتماعية او تعزیزها هو تحسین عملية التعامل مع القضایا في الدوائر والمؤسسات الحکومية والعامة. وهذا یعني اننا بحاجة إلی إیجاد تغییرات وإدخال تعدیلات في النظام الاداري، لکن هذا التغییر لم یتحول بعد إلی مطالبة شعبیة لسبب من الأسباب.
ثم القیام بخطوات في مجال التوعية الثقافية والإجتماعية والتطور الشعبي وایضا تعریف الشعب ببرامج التنمية للبلاد. فعلی سبیل المثال نحن بحاجة إلی القیام بتوعية في مجال الإستهلاك الشعبى للسلع. لماذا یفضل البعض شراء البضائع الأجنبية؟ هل یعود سببه لعدم القيام بتوعية ثقافية واجتماعية؟ ربما یکون فقدان الثقة هو أحد هذه الأسباب. ومهما یکن یجب دراسة هذه الظاهرة ومعالجتها بهدف تقدیم الحلول المناسبة ولیس معرفة الأسباب فحسب.
الموضوع الثاني هو العمل علی تعریف الشعب بمسؤولیاته والحقوق والواجبات المتقابلة بین ابناء الشعب والمؤسسات العامة والحکومية. فخلال ذلک یتم طرح قضية الحقوق الوطنية. لتحقیق ذلک یجب تحدید نظام تربوي وتعليمي محدد یکون قادرا علی تطبيق البرامج التي تحددها الحکومة.
الخطوة الثالثة هي إیجاد آلية یمکن من خلالها محاسبة المسؤولين. فهذه قضية تم اغفالها طوال السنوات الماضية. نعم لدینا قوانين وآليات محددة لکن لم یتم تطبیق بعضها أو لم یتم تطبیقها کما ینبغي. یجب فرض الرقابة علی عمل المؤسسات الحکومية، کما یجب تقييم عمل المدراء والمسؤولين بناء علی معاییر محددة. وفي هذا الاطار یجب تمهيد الأرضية لمشارکة المنظمات غیر الحکومة في عملية الرقابة علی المسؤولين واداء المؤسسات. الخطوة الأخری هي إیجاد ظروف وبیئة تتسم بالأمل في عمل المؤسسات الحکومية واداءها. المقصود هنا هو النظام. قد نسمع اصوات معارضة لأداء بعض المؤسسات لکن هذه الأصوات لاتسمع أو لا يمكنها أن تصبح جزءا من عملية إصلاح واقعية.

زارعي: في سیاق ما اشار إلیه السید قزوه، أرید ان اشیر إلی بعض النقاط. برأيي ان العنوان الأنسب لحدیثنا هذا هو: الثقة العامة ورأس المال الاجتماعي والنظام السیاسي! والثقة العامة هي: إیمان ابناء الشعب بالقيم والأسس التي یقوم علیها النظام السیاسي. ثم ان اساس الثقة العامة یقوم علی الفائدة؛ أي ان تکون مفیدا أو قادرا علی ایصال الفائدة. فمایتم الترویج له(من قبل جهة أو نظام ما) یجب ان یکون مفیدا بحد ذاته ثم ینبغي ان یحمل في طیاته فوائد عامة. فهذا هو الأساس الذي یجب الن یؤخذ بعین الاعتبار فيما یتعلق بالرسائل والقيم والمبادئ التي یرید النظام الحفاظ علیها. وان تکون مفیدا یعني-بالنسبة لي- : ملائمة الرسائل والخطاب الذي یعتمده النظام مع المعتقدات والأعراف الاجتماعية. وان تکون نافعا في مفهومه الاجتماعي یعني ان تکون مجدیا في معالجة الظواهر الاجتماعية؛ أي تحویل القيمة إلی نتيجة. ومعنی ذلک ان یکون النظام قادرا علی تحسین الظروف المعيشية والجتمعية لأبناء المجتمع عبر ترجمة قيمه والشعارات التي یرفعها وینادي بالحفاظ علیها. وهذا یتعلق بشطارة النظام وقدرته علی تحقیق هذا الطموح.
وإذا أردنا أن نقوم بدراسة الثورة الإسلامية بناء علی ما أشرت الیه آنفا، نری بأن أساس نشوء الثورة الإسلامية هو ثقة الشعب بشخصية الإمام الخميني(رض) وایضا ایمانهم بما کان یدعو إلیه الإمام. فالشعب کان یری خطابات الإمام الخميني تمثل کافة مطالبهم. لاشک ان الثورة تأتي لمحاربة الحواجز. کان الشعب الإیراني یری نفسه امام حواجز تمنعه من الوصل إلی مطالبه، لذلک ثار لکسر تلک الحواجز وکان الإمام الخميني هو الوسيلة التي یمکن من خلالها تحقیق المطالب. والحقيقة هي ان الشعارات المرتبطة بمحربة الظلم والاستکبار هي التي دفعت بالشعب نحو الإمام، فالشعب کان متعطش للحرية والحرية لا تتحقق إلا بمحاربة الظلم وهذا ما قد کان یؤد علیه الإمام الخميني.
لکن بعد الثورة وبمرور الوقت تکونت رؤیتان؛ الأولی هي رؤية الإمام الخمیني(رض)، وهي رؤية تعتمد علی الرسالة الإسلامیة. فالسؤال المحوري لهذه الرؤية هو: ماذا یرید الدین الإسلامي من الناس؟ وماذا یمکننا ان نجلب للناس عبر الالتزام بالدین؟ أما الرؤية الثانیة کانت تتلخص في البحث عن طرق تطبیق الدین وعدم الاکتفاء بالتظیر الدیني. إن هذه الرؤية کانت ترکز علی الجوانب المجتمعية. وبعدما شعر الناس بعدم تطبیق الشرائع الدینیة في اتخاذ القرارات، کانوا یتعاملون مع بعض الرسائل والخطابات الدینیة بحذر، لأنهم کانوا یرون الدین تحوّل إلی أداة لتحقیق المآرب والأهداف الشخصیة. وسبب ذلک هو ان بعض الأشخاص من الذین لیس لدیهم حکمة عملوا علی تشویه سمعة الدین والنظام الاسلامي. من جهة أخری، کان البعض یزعم بأن الشعب تغیرت رؤیته للقضایا والأحداث، فمعتقداته الحالیة تختلف عن معتقداته في بدایة الثورة، لذلک أخذ هذا التیار برفع شعارات جدیدة ما أدی إلی ظهور بعض الأصوات المنادیة بالاصلاحات وهذه المرة من داخل النظام، فکانت رؤية هؤلاء تنطلق من مفاهیم غربیة، لذالک أخذ قائد الثورة الإسلامیة يحذر من مخاطر هذه الأفکار ومزالقها التي تؤدي إلى سوء العاقبة.
وهنا لابد من الإشارة إلی أن قائد الثورة الإسلامية قد أشار إلی هذا الخطر منذ مطلع التسعینیات. فقد أکد سمحاته علی أن برنامج التنمية المعتمد سوف یوصلنا إلی نتائج سلبية وبالتالي سيؤدي إلی کارثة. وکان سماحة القائد(اية الله السید علي الخامنئي) يؤکد مرارا وتکرارا علی قضية العدالة الاجتماعية. فقائد الثورة الإسلامية قد تنبه إلی اهمية هذه القضية واستطاع ان يعید صیاغة منهج الامام الخميني(رض) في الدعوة للتمسک بالتعاليم الإسلامية لتظهر في الحياة الاجتماعية؛ لذا کانت تأکیده علی قضایا تتعلق بالعدالة الاجتماعية وضرورة تحقیقها وکذلک ضرورة محاربة الفقر والفساد والتمييز، والسعي لبناء اقتصاد قوي یستند إلی طاقات الشعب. فقائد الثورة طرح هذه القضایا کوصفة علاج؛ وصفة تنطلق من تعاليم الشریعة الإسلامية؛ فهذا هو منهج الدین الذي یجیب علی الاسئلة ولیس الذي یقوم بطرحها. باعتقادي إن قائد الثورة کان يسعي لابراز الجوانب الدينية التي تجیب علی الأسئلة. وفي غضون ذلک قام البعض باستغلال بعض مطالب الناس حیث رفعت شعارات تخدم جهات محددة.
ومهما یکن فالدین یطرح تساؤلات، لکن الثورة الإسلامیة جاءت لتوظیف الدین لمعالجة الظروف المأساوية التي کان یمر بها الشعب، لذلک فالدین في ایران بعد انتصار الثورة کان دینا یجیب عن التساؤلات اکثر من طرح الأسئلة.
إن المصطلحات الهرمينوطيقية تبرز في الحقول الفکرية کالفن والأدب؛ فالفن للفن. هذا الأفکار تقابل فکرة الالتزام الفني التي طرحتها الثورة. وتطرح فکرة الامتلاک والاستحواذ في مقابل القناعة والقيم الدينية. کما تم العمل علی إضعاف القيم المعنوية للعمل الذي یتم باخلاص؛ فالعمل یجب ان یکون مقابل الحصول علی راتب لا أکثر ولا أقل. هذا الأمر دفعنا إلی الانجرار وراء حلول ادخلتنا في أزمات بدلا من إیجاد فرص عمل. هذا إلی جانب تعزیز الأفکار التي تساهم في الابتعاد عن خدمة الناس. فقد تم الترویج لهذا الخطاب ومع الأسف الشدید وجدت تلک الصیحات اذنا صاغية. فما هو الحل الآن؟> یجب علی دوائر صنع القرار والجهات المعنية أن تقوم بدورها وتتحمل مسؤوليتها لمعالجة المشکلة. ثم اننا نؤکد دائما علی ضرورة ادخال الدين في الحیاة الیومية. هذا الخطاب یجعلنا نؤکد بأن مسؤولية امعالجة الأزمات وایجاد حلول للتحدیات الراهنة تقع علی عاتق الحوزية العلمية بوصفها الجهة الدينية المسؤولة عن تقدیم اجابات قادرة علی جعل المجتمع یسایر متطلبات العصر واحتیاجاته.
القضية الأخری هي اننا الیوم بحاجة إلی احیاء التعاليم والأسس القيم الرئیسية التي قامت علیها الثورة الإسلامية، بهدف محاربة التمييز بين الطبقات الاجتماعية على أساس معايير محددة. وهذا ما قد أشار إلیه الإمام الخمیني(رض) عند حدیثه عن ضرورة ابتعاد المسؤولين عن الماديات والاهتمام بمطالب الشعب المحقة.

زورق: أنا ایضا اؤکد علی ضرورة ایجاد حلول لمعالة أزمات المجتمع عن طریق الحوزة العلمية بشرط ان تکون هذه المقترحات نتيجة اعمال الفکر وتسند إلی دراسات حقيقية. ولاینبغي ان تکون مقترحات الحوزة العلمية کمقترحات النظام البنکي؛ تلک المقترحات التي بالأساس هي مقترحات غربية يتم إضفاء الطابع الإسلامي عليها. نحن بحاجة إلی ثورة فکرية من داخل الحوزة لذا ینبغي علی الحوزة العلمية ان تقوم بالتفکیر بشکل جذري.

کاظم زاده: أرید أن اشیر إلی عدة مؤشرات لیتبین لنا الوضع الحالي لقضیة الرأس المال الاجتماعي في إیران. کل ما ذکر آنفا هو ان مستوی الثقة العامة في حالة انخفاض، لذا علینا ان نبحث عن أسباب هذا الانخفاض وماذا یجب علینا فعله لاستعادة هذه الثقة؟ أرید ان ارکز علی الجزء الأخیر من السؤال و هو کیفیة استعادة هذه الثقة. برأيي أول الحلول یتمثل في الاهتمام بقضیة الثقة العامة کأحد العناصر المکونة لرأس المال الاجتماعي. وبالعودة إلی تاریخ الدراسات المرتبطة بهذا الموضوع نری بأن بعض الدول الاوروبیة قد خصصت مراکز دراسات وبحوث وکذلک أنشئت مؤسسات تحت عنوان رأس المال الاجتماعي، الأمر الذي یؤکد أهمیة الموضوع وضرورته.
ثم ان هذه القضیة کانت تطرح في مجال علم النفس الاجتماعي أو الدراسات المجتمعية وعلم الادارة فقط، لکن الیوم حدثت تطورات جدیدة. في الحقیقة ان في هذه الدول تم تحدید هیکلیة خاصة لهذا لرأس المال الاجتماعي، ومن خلال هذه الهیکلیة یتم تحدید التعاریف الخاصة لهذا المؤشر الذي یعتبر بعض الأحیان أداة لتقییم الخطوات والتصرفات؛ الخطوات الفردیة والمؤسساتیة والحکومیة. فعندما یترأس الشخص مؤسسة ما، یتم تقییم ادائه بناء علی هذا المؤشر لیتبین مدی نجاحه في تنمیة رأس المال الاجتماعي في مجال عمله. مع الأسف الشدید، لم یتم التطرق إلی هذه القضیة بالرغم من اهمیتها، في حین ینبغي ان یتم الترکیز علی هذه القضیة في الصحف والجرائد ووسائل الاعلام الرسمية لکي تأخذ مکانتها الحقیقة في کافة المجالات.
النقطة الأخری هي أننا وبعد ان تمکنا من استخراج مشترکات بین قواعد علم النفس والدراسات المجتمعیة وعلم الادارة ومؤخرا المجالات الاقتصادیة، یمکننا تحدید دلالات یمکنها ان تتحول إلی مؤشرات. إن رأس المال الاجتماعي في الحقیقة هو نتاج شبکة من العوامل؛ أي لایمکن دراسته عبر قاعدة العلة والمعلول. ومعنی ذلک ان رأس المال الاجتماعي والثقة العامة هما عبارة عن نتیجة شبکة من العوامل التي تستند إلی مجموعة من الکونات الخاصة، فدعم هذه المکونات یعزز الثقة العامة وبتبع ذلک رأس المال الاجتماعي، وبطبیعة الحال تقویض تلک المکونات یؤدي إلی اضعاف هذه الثقة. إن أحد العناصر اللازمة لرأس المال الاجتماعي هو قضیة الصلاحیة والکفاءة؛ أي اعتماد النظام في تقدمه على المقدرة والعطاء الفردي(Meritocratic). فلو تطرقنا إلی رأس المال الاجتماعي في إیران من هذه الناحیة، یتبین لنا بأن عدم الاهتمام بالمقدرة والعطاء الفردي (في توظیف الأفراد) أدی إلی نتائج سلبیة.
النقطة الأخری التي یتم الترکیز علیها في هذا المجال، هو التمکن من معرفة وتقییم التصرفات والخطوات؛ أي التمکن من تقییم ومعرفة الخطوات والتصرفات الصادرة عن الأفراد والمؤسسات والحکومات، یساعد علی زیادة الثقة العامة. فعدم الشفافیة في الخطوات والتصرفات وعدم التمکن من تقییمها، یؤدي إلی فقدان الثقة العامة بالشخص أو المؤسسة أو الحکومة.
النقطة الأخری التي یشار إلیها بأنها أحد المکونات في الثقة العامة ورأس المال الاجتماعي، هو المتلاک الارادة وعدم التنازل في عملية اتخاذ القرارات. فالثبات هنا لایعني عدم قبول التحول والتغییر، بل بمعنی الحفاظ علی استقرار الوضع السیاسي والاجتماعي الداخلي. وعلیه فان الشخص الذي یغیر موقفه ولدیه شخصیة إزدواجیة، لایمکنه ان یحصل علی الثقة العامة. وهذا المثال صادق ایضا علی المؤسسات والحکومات. فلو قامت المؤسسات الحکومیة بتحدید سیاساتها في برامج التنمیة التي تکون فترتها 20 أو 30 عام، سوف تحصل علی الثقة العامة. والعکس صادق ایضا. في ایران تتغیر بعض الخطط وبرامج التنمیة مرة واحدة سنویا، أو انها تتغیر بتغییر الحکومات، فهذا من الأسباب التي تؤثر سلبیا علی الثقة العامة وبالتالي تستهدف رأس المال الاجتماعي.
المکون الآخر الذي یتم الترکیز علیه هو موضوع المصداقیة؛ في التصرفات الفردیة والمؤسساتية والحکومیة. فکلما ابتعدت هذه التصرفات والخطوات عن الکذب والخداع، ارتفعت نسبة الثقة العامة وازداد رأس المال الاجتماعي. مع ذلک أنا لا أقول بأن العناصر الخارجیة لیس لها أي دور، لکن بشکل عام ان قضية الثقة العام وقضیة رأس المال الاجتماعي هي قضایا داخلیة اکثر من کونها قضایا خارجیة. صحیح ان العناصر الخارجیة لدیها بعض التأثیرات علی هذه القضایا لکن مع ذلک یجب علینا ان نعالجها بوصفها قضایا داخلیة. في الحقیقة ان کافة المتغیرات هي نتیجة لشبکة من الخطوات. فإزدیاد نسبة هذه المتغیرات وانخفاضها هو من یحدد نسبة رأس المال الاجتماعي والثقة العامة.
والنقطة التالیة هي ان هذه المقولة دخلت قاموس المصطلحات والمفاهیم المتعلقة بالعلاقات الدولیة. فالدول تصنف علی أساس رأس المال الاجتماعي وایضا المکونات الآنفة الذکر. وعلی اساس هذه التصنیفات ایضا تم التوصل إلی نتیجة مفاهدها ان امریکا تعیش أزمة حالیا. وتعود أسباب هذه الأزمة إلی فقدان أمریکا إلی قيمة وفعالية العلاقات الاجتماعية ودور التعاون والثقة في تحقيق الأهداف. ویشیر کاتب یاباني إلی دور رأس المال الاجتماعي في تحقیق الأهداف، ویقول: إن بلدنا وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانیة ماکانت تمتلک الموارد التي تعتبر رأس مال اقتصادي کانفط والغاز و..الخ، لکنها کانت تمتلک ثقة عامة. وهذا یعني ان امتلاک الیابان للثقة العامة ساعدها علی امتلاک رؤیة تنمویة وبالتالي التطور والتقدم.
أما النقطة الأخیرة التي أود الإشارة لها في الختام هي ان الهدف الرئیسي الذي یتابعه الأعداء في الوقت الراهن هو إضعاف الثقة العامة والقضاء علی رأس المال الاجتماعي لإیران. إن مجموعة التطورات التي تحصل بهدف خلق الرهاب من إيران(ایران فوبیا)، ماهي إلا محاولة لتقویض وإضعاف الثقة العامة بهدف استهداف رأس المال الاجتماعي الإيراني، وسبب ذلک هو ان هذه المقولة في العلاقات الدولیة لدیها علاقة وثقیة بالثقة السياسية وبناء الدولة. فکلما زادت الثقة العامة وبتبعها رأس المال الاجتماعي، تزداد القدرات الوطنیة، والعکس صادق ایضا، لذلک نری استمرار التطورات والخطوات العدائیة التي تهدف بمجملها لخلق الرهاب من إيران.

____
*اقیمت بتاریخ 2 کانون الثاني/ ینایر 2019 م

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.