الثقافة الاسلامیۀ
موقع إسلامي وثقافي الثقافة الاسلامية

هل نشهد “ربيعاً إيرانياً” أم ضياع “أندلس” جديدة؟

0 183

 

 

محمد صالح صدقيان

من يقرأ الصحف الإيرانية التي تزخر بها أكشاك الصحف والمجلات صباح كل يوم، يلمس بشكل واضح تلك المساحة النوعية والنسبية لمساحة الحرية المتوفرة لكافة الاتجاهات السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية لعرض رأيها أو موقفها حيال الأحداث والتطورات الإيرانية.

لا أريد أن أرسم صورة وردية للصحافة الإيرانية، لكن المساحة التي تتحرك ضمنها هذه الصحافة، هي مساحة قد لا تكون متوفرة في العديد من الدول المجاورة. هل يوجد “خطوط حمر” أمامها؟ بالتأكيد نعم. بعض الأحيان تكون هناك تعليمات بعدم تجاوز هذه الخطوط؛ وفي أحيان أخری يتم التأكيد علی هذه الخطوط؛ وفي أكثر الأحيان تتصرف الصحافة وفق الأنماط التي تعوّدت عليها وعلی أساس فهمها لـ”الخطوط الحمر”.

في ظل الأحداث التي تشهدها إيران حالياً، نجد أنفسنا أمام صحافة إيرانية تعكس حيوية وتنوعاً في التعاطي مع هذه التطورات التي تلامس حياة المواطنين اليومية.. ومستقبلهم. هناك صحافة التيار الاصولي، وهي واضحة في عناوينها ومواقفها ودعواتها التي تنطلق من عقيدتها في آلية إدارة البلاد ومشاكلها وتضع نفسها على النقيض الكامل مع صحافة التيار الإصلاحي، فيما تُقدّم الصحف المعتدلة نفسها ناصحة لهذا الطرف أو مُنتقدة للآخر من أجل معالجة مشكلة أو تصحيح موقف معين.

ولا يجوز التقليل من حجم مشاكل إيران الداخلية ولا التحديات التي تطرحها؛ وبالتالي نحن أمام سلّة مُعقدة ومتشابكة من الاستحقاقات والطموحات والتحديات تنخرط وتختلط فيها عناوين “الثورية” و”التشدد” و”الواقعية” و”الإعتدال” و”الإصلاح” و”المعاصرة”، الأمر الذي يجعل المراقب أمام خليط معرفي ثقافي أيديولوجي حضاري لا يمكن تفكيك رموزه بهذه البساطة .

لقد لفت انتباهي عنوانٌ لصحيفة “اعتماد” الإصلاحية في عددها الصادر في نهاية الأسبوع الماضي وتضمن رسالة وجّهها رئيس تحرير الصحيفة الياس حضرتي إلى أمين مجلس الأمن القومي الإيراني الجنرال علي شمخاني بشأن الإحتجاجات التي تشهدها إيران وتداعياتها، وذلك علی خلفية وفاة المرحومة مهسا أميني التي قال عنها المرشد الإيراني الأعلی علي الخامنئي إنها “أدمت قلوبنا”. واللافت للنظر أن الرسالة تحدثت عن الإجراءات التي يمكن اتخاذها من أجل إنهاء الإحتجاجات التي تؤشر – كما قال حضرتي – إلی وجود مشاكل حقيقية تخص الحريات العامة، مطالباً بإنفتاح أكبر علی صعيد هذه الحريات ووضع حد لبعض الإجراءات الإقتصادية والسياسية والاجتماعية التعسفية التي تؤثر علی حياة المواطنين الإيرانيين اليومية. وطالب الياس حضرتي بإطلاق “يد وسائل الإعلام المحلية المستقلة”، وقال مخاطباً شمخاني: “لا تسمحوا لهم بتقييدنا بمذكرات مختلفة كل يوم”، وطالب أيضاً بعدم إعتقال الصحفيين والشباب والطلاب بذرائع كاذبة، وقال “إن حرية الإعلام والإنتخابات الحرة والفضاء السياسي والإجتماعي والأكاديمي الحر وحرية التعبير من السمات المتأصلة في الجمهورية الإسلامية إلا أننا نخسرها واحدة تلو الأخری”، دون أن ينسی المُطالبة بإطلاق خدمة الانترنيت التي حُجبت بسبب الأحداث الأخيرة.. والمستمرة.

وإذ تتخذ مواقع الأصوليين مواقف متشددة حيال الإحتجاجات؛ تغطي صحف ومواقع إعلامية أخری التصريحات الجريئة الصادرة عن علي لاريجاني رئيس مجلس الشوری السابق بشأن إجراءات قانون التقيّد بالحجاب، مطالباً بعدم تشدد الشرطة مع ظاهرة عدم التقيد بالحجاب الذي يشمل 50 بالمئة من نساء إيران شأنه شأن العديد من القوانين التي لم تنفذ”، علی حد تعبير لاريجاني. واللافت للإنتباه أن لاريجاني انتقد بعض المتشددين الذي ينظرون إلی قضية الحجاب وكأنها قضية “الأندلس” التي ضاعت من أيدي المسلمين كما ستضيع إيران في حال لم يتم التقيد بالحجاب!.

يُذكر أن لاريجاني، المحسوب علی الأصوليين، والذي ما يزال عضواً في مجمع تشخيص مصلحة النظام فيما يعمل في الوقت ذاته مستشاراً لدی المرشد الإيراني الأعلی، كان جريئاً عندما دعا أيضاً إلی إبعاد عملية المطالبة بالتقيد بالحجاب عن العمل الحكومي والمؤسسي الرسمي وجعله منوطاً بيد منظمات المجتمع المدني والإجتماعي، متسائلاً عن مدی ضرورة تدخل الحكومة في كافة القضايا الإجتماعية؟.

هذه الصورة الإعلامية والصحافية تعطي إنطباعاً ومؤشراً علی دينامية حيوية يتسم بها المجتمع الإيراني في التعاطي مع قضاياه الملحة.

أختلف شديد الإختلاف مع من يقول إن “الربيع الإيراني” قد بدأ؛ وأن هذه هي الفرصة الأخيرة أمام النظام السياسي الإيراني. من يقول ذلك إما أنه لا يعرف الإيرانيين أو أنه لا يعرف إيران وتاريخها وحضارتها أو بعبارة أصح لا يريد أن يعرف الإيرانيين.

لا أريد أن أدافع عن واقع غير موجود. أبداً. إعتقادي أن ما يحدث في إيران راهناً هو خطوة علی طريق ترشيد العملية السياسية التي بدأت عام 1979 دون وجود صحاح أو تزمت بتراث لكن في إطار الثوابت العامة. هذه العملية في واقعها العملي والموضوعي والواقعي تحتاج إلى مسار يمتد لسنوات لأجل تجذير مفهوم الحريات والديمقراطية الشعبية الدينية، كما يتبناها الإيرانيون وفق مقاسات وضعوها لأنفسهم في دستور تمت صياغته في العام 1979 وتم تعديله في العام 1988 في إطار من الممارسة السياسية التي تستند إلی صناديق الإقتراع.

هل هذا يكفي؟ أعتقد بكل جرأة “لا”؛ لأن طموحات الإنسان لا تقف عند حد وهو دائماً يبحث عن الأفضل سواء أكان نظاماً أو حكومةً أو شعب

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.