الثقافة الاسلامیۀ
موقع إسلامي وثقافي الثقافة الاسلامية

«أزمة البيئة» هي أزمة معنوية أخلاقية

0 70

حوار مع السید مصطفی محقق داماد، مؤلف کتاب “الاهیات البيئة” للتعرف علی أهم القضایا التي یعالجها الکتاب، والحوار أجري بتاریخ السادس من اغسطس 2019م.

—-

توطئة:

إن أزمة البیئة التي یعاني منها الإنسان المعاصر یجب أن تطرح بعیدا عن اطارها العلمي والتجربي أو ما یتم الحدیث عنه في مجالات العلوم الطبیعية والتقنية، لأن هذه الأزمة هي في الدرجة الأولى أزمة اخلاقية فکرية. والحقيقة هي اننا لانستطیع إیجاد حلول مناسبة لأزمة البیئة طالما لایغیر الإنسان نظرته إلی البیئة المحيطة به.

السؤال المحوري في هذا المجال هو: من أین تکون البداية؟ إن کتاب “الإلهيات الدينية” والتي ألف من قبل رجل دين وهو رجل قانون ایضا، یسعی إلی طرح قضية البيئة من منظار دیني وفلسفي، حیث یقوم بتبیینها بناء علی التعالیم الدینية، فمؤلف الکتاب یؤمن بأن الإجابة عن هذا السؤال تکمن في معرفة الأسباب والمؤثرات التي أدت إلی هذه الأزمة.

ثمة نظریات ورؤی عالمية ترتبط بالهواجس البیئية. ربما یکون الهواء الذي نستنشقه ملوثا وسبب هذا التلوث هو منشآت صناعية في مناطق بعیدة تقع في قارة أخری. وعلیه ان تآكل طبقة الأوزون(ثقب الأوزون) في الغلاف الجوي لكوكب الأرض بسبب إنتاج غاز الفولور والکربون في المنشآت الصناعية؛ یؤثر بشکل مباشر علی حیاة البشر في کافة انحاء العالم. ثم إن تفشي الفقر والمجاعة في دولة من دولة العالم سوف یؤثر سلبا علی الحیاة في الدول الجاذبة للمهاجرين. ویری بعض الخبراء ان طغیان روح الإتجارية(نزعة للمتاجرة من غير اهتمام بأي شيء آخر) علی الإنسان المعاصر وهيمنة الحضارة الصناعية علی المجتمعات البشرية في هذا العصر دفعت الإنسان للجوء إلی الطبيعة وتوظیف کافة طاقاتها دون الاهتمام بأي شيء، الأمر الذي خلف نتائج سلبية کارثية علی البیئة. 

فهذا الفيلسوف الألماني (فريدرك فيلهيلم نيتشه) يشیر إلی الکوارث البیئة وأثرها علی مستقبل البشر ویقول: إننا وجدنا في زمن حضارته علی وشک الانهیار بواسطة النمو الحضاري. لذا أصبح الإنسان یعي جیدا بأن التطور الحضاري السریع وعدم اکتراث البشرية للمخاطر البیئية والقیام بالخطوات الفردية دون الاهتمام بأي شيء والأهم من ذلک ابتعاد الإنسان عن أصله؛ جعل المستقبل في حالة من الضبابية، فلاتوجد ضمانات حول مستقبل الإنسان. في الحقيقة إن الإنسان الحداثي أصبح عبدا للتکنولوجیا والتقدم التقني، فالتطور في العلوم والتکنولوجیا اوصل الإنسان إلی نقطة خطيرة ومميته تسوق الإنسان لتمدیر نفسه بنفسه.

إن قسما کبيرا من الأزمات البيئية ناتجة عن طریقة تفکیرنا ونظرتنا للبيئة وما یتعلق بها کالکائنات الحية. هذا بالإضافة إلی فهمنا عن کیفية خلقة هذه الکائنات وایضا معرفتنا بکیفية العلاقة مع الکائنات البیئية. إذن إن البنية التحتية أو خلفيتنا الفکرية هي عبارة عن نظام فکري خاص یستم بنظرة کونية خاصة للطبیعة ومکانة الإنسان فيها.

في الحقيقة ان أزمة البيئة هي عبارة عن أزمة اخلاقية فکرية، تستوجب العودة والاهتمام بالأصول الفکرية السليمة التي یحتاجها الإنسان لتحسین علاقته وکيفية تعامله مع البيئة. إن تفاقم الأزمات البيئية جلب أنظار العدد من العلماء خاصة في بداية ستینیات القرن الماضي(منذ عام 1960م) ، أي بعد انعقاد مؤتمر في مجلس الأمن حول الإنسان والبيئة في عام 1972م. فهذا المؤتمر مهد لظهور دراسات وأبحاث موسعة في هذا المجال.

وعلی هذا الأساس، یقوم کتاب “الاهیات البيئة” بمعالجة الأزمات البیئية من منظار فقهي اسلامي، فاتحا بذلک نافذة جدیدة في مجال الدراسات والأبحاث المرتبطة بالبيئة خاصة الإسلامية منها. وللتعرف علی کتاب الاهیات البيئة والأفکار التي یرید طرحها وایضا للمزید من المعلومات حول القضایا البيئية وفلسفة الطبیعة بشکل عام، اجرینا حوارا مع مؤلف الکاتب، السید مصطفی محقق داماد.

***

في السنوات الأخیرة ومن خلال دراساتک المختلفة ومؤخرا کتاب الاهيات البیئة، تطرقت إلی قضية البيئة من منظار فلسفي. برأیك کیف یمکن أن تؤثر هکذا دراسات علی نظرة الناس ومعتقداتهم وسلوکیاتهم وبالتالي کیف تساهم في معالجة البيئة؟

ثمة نظریات ورؤی عالمية ترتبط بالهواجس البیئية. ربما یکون الهواء الذي نستنشقه ملوثا وسبب هذا التلوث هو منشآت صناعية في مناطق بعیدة تقع في قارة أخری. وعلیه ان تآكل طبقة الأوزون(ثقب الأوزون) في الغلاف الجوي لكوكب الأرض بسبب إنتاج غاز الفولور والکربون في المنشآت النصاعية؛ یؤثر بشکل مباشر علی حیاة البشر في کافة انحاء العالم. ثم إن تفشي الفقر والمجاعة في دولة من دولة العالم سوف یؤثر سلبا علی الحیاة في الدول الجاذبة للمهاجرين. ویری بعض الخبراء ان طغیان روح الإتجارية(نزعة للمتاجرة من غير اهتمام بأي شيء آخر) علی الإنسان المعاصر وهيمنة الحضارة الصناعية علی المجتمعات البشرية في هذا العصر دفعت الإنسان للجوء إلی الطبيعة وتوظیف کافة طاقاتها دون الاهتمام بأي شيء، الأمر الذي خلف نتائج سلبية کارثية علی البیئة. 

وقبل کل شيء أود التأکید علی ان هناک نقطة هامة لابد من الاشارة لها وهي ان غالبية الناس یعتقدون بأن الفلسفة لاترتبط بالحياة الیومية، لذا فعند سماعهم عنوان”الفیسلوف” یتبادر إلی اذهانهم ذلک الشخص الذي لیس له علاقة بعامة الناس وانه یبحث عن مفاهیم أخری للحياة والکون، والنتيجة نظرته للحیاة تختلف عن نظرتهم. الحقيقة هي ان هذه النظرة هي نظرة خاطئة، إضافة إلی ذلک ان الفکر الفلسفي ایضا یعارض هذا التصور، ویتضح ذلک من خلال العودة إلی سیرة حیاة بعض الفلاسفة(من القدماء والمعاصرین)، حیث اهتم الکثیر منهم بالقضایا الاجتماعية بشکل مباشر أو غیر مباشر.

وفي هذا السیاق، اهتم عدد من الفلاسفة المسلمین بالحیاة الیومية وحاولوا معالجة القضایا الاجتماعية من خلال الآراء التي طرحوها، لذا فقضية معالجة القضایا الیومية من قبل الفلاسفة لاتتوقف عند الفلاسفة في الغرب. صحیح ان الرکیزة الأساسیة في الفکر الفلسفي ترتبط بمعرفة اسرار الکون، لکن لایمکن ان ننفي دور الفیلسوف في القضایا الأخری المرتبطة بالإنسان ومکانته أوعلاقته بالکون وماحوله من عناصر طبیعية.

 

بناء علی ما تفضلت، یبدو ان قضية البیئة لم تغفل بشکل کامل من قبل الفلاسفة؛ هل هذا صحیح؟

قبل الدخول في صلب الموضوع والإجابة عن السؤال، ارید ان اذکر تعریفا دقیقا للبيئة. إن مفردة Ecology التي أخذت حیزا واسعا من الدراسات في العقود الأخیرة وتفرعت منها انشعابات کثیرة؛ لم تأخذ معنی بیولوجیا إلا قبل مآئة عام فقط، حیث اصبحت تطلق علی علم یسمی الیوم بعلم البیئة. إن المعنی الأصلي لمفردة اُیکس في اليونانية یعني الأسرة(وقیل المنزل)، أما مفردة لوغوس فتعني معرفة الشيء. لذا فمفردة Ecology تعني العلم الذي یدرس التفاعلات بين الكائنات الحية وبیئتها. فهذا العلم یشتمل علی علم التدبیر والحفاظ علی الطبيعة، واجزاءها الخاصة، ومعرفة التداخلات والتفاعلات بين هذه الأجزاء واعتماد بعضها لبعض، وبالتالي معرفة کیفية إقامة هذه العلاقات عبر عملية تنسيقية تساهم في تشکیل منظومة خاصة. بعبارة أخری، ان علم البيئة هو عبارة عن معلومات تساعدنا علی معرفة عالمنا وفهم ما یحدث فیه، وکذلک تشکف لنا کيفية تأثیر الکائنات البیئية علی حیاتنا اليومية. وبناء علی ذلک توجد علاقة مباشرة بین علم البيئة والفلسفة.  

قد تطرق بعض الفلاسفة إلی البيئة وما یرتبط بها من قضایا، حیث انطلقوا في دراساتهم من رؤية فلسفية للظواهر البيئية. ماهو رأیک حول معالجة قضية البيئة والطبيعة من منظار فلسفي؟

إن فلسفة الطبيعية تعني تفکیر الانسان حول الظواهر الطبيعية واکتساب المعرفة المستخلصة من هذا التفکیر لتوظیفها في المواظن التي یحتاجها الإنسان، فقد تساعده علی تلبية الاحتیاجات الروحية عبر فهم الجمالیات الکامنة في تلک الظواهر. فقضية الجمالیات الطبيعية لها تاریخ طویل یعود إلی مئات السنین قبل افلاطون وارسطو. ثم ان دراسة تاریخ الفکر البشري تؤکد بأن جذور الفسفة الطبيعية ونشأتها تعود للحضارات والثقافات القديمة کایران ومصر وهند والصین وایضا الحضارة السومرية. إن الحکمة والفکر الفسفي الشرقي انتقل شئیا فشیئا إلی الیونان عبر الرحالة والتجار والمحاربين الذين کانوا یقصدون الشرق. وکان هذا الفکر -بعد انتقاله إلی الیونان- یعرف بالفسفة الطبیعية إلی ان اصطبغ في النهاية بصبغة یونانية.

 

 

بما ان حضرتك اشرت إلی الفلسفة الیونانية؛ هل یمکن ان تتحدث لنا عن فلسفة طاليس؟

إن طاليس الملطي (هو رياضي وعالم فلك وفيلسوف يوناني من المدرسة الأيونية) قصد بابل ومصر وتعرف علی المعارف الشرقية، وبعد العودة إلی الیونان نقل تلک المعارف إلی بلاده. إن طالیس هو من قال بأن الماء أصل الأشياء كلها. ثم جاء بعده “أناكسيماندر” وأنكسيمانس” وحذو حذوه. لکنه “أنكسيمانس” برغم من انه عاد إلى فكرة طاليس التي ترجع الكون إلى مادة أصلية لكنه قال ان هذه المادة الأولية ليست هي الماء بل الهواء. إن فلسفة الطبيعة بعد ذلک فسرت بشکل أوسع واشمل وأغنی بواسطة “هِرَقْليطُس” (فيلسوف يوناني في عصر ما قبل سقراط).

أما الرکنان الأساسیان اللذان تقوم علیهما نظرته هما:

1-قال بأن النار هي الجوهر الأول، ومنها نشأ الكون. وقال أيضاً بـ التغيّر الدائم. فكان هرقليطس مشهورًا لإصراره على أن الوجود في تغير دائم باعتبار التغير هو الجوهر الأساسي في الكون.

2-العالم مليء بالعناصر المتناقضة، فکل شيء في العالم مضاد لغیره ویعیش حالة صراع مع غیره الذي یعتبر من لوازم وجوده. لکن مع ذلک، انها وتحت غطاء نظام (لوغوس) لدیها تتمتع بوحدة واتساق، فهو کان يؤمن بوحدة الأضداد (قسم من الفلسفة الجدلية).

من ناحية أخری، یبدو واضحا تأثر آراء هراکلیت بالرؤية الکونية الشرقية خاصة تأثره بالأفکار الزرادشتية. وبناء علی أدلة تاريخية یمکن القول إن هراکلیت استلهم بعض آراءه من تعالیم الزرادشت النبي. وفي النهاية تظهر فلسفة الطبيعة في فلسفة ارسطو، حیث أخذت هذه الفلسفة مساحة واسعة من آراءه الفلسفية.

وبحسب تقسیمات ارسطو، ان الفلسفة تنسقيم إلی قسمین اساسیین؛ الأول نظري والثاني عملي. إن فلسفة الطبيعة(الطبيعیات) تشکل الجانب الأکبر من القسم الأول أي القسم النظري. («الطبيعيات» كتاب من كتب أرسطو، وواحد من مجالات بحثه، وقد وضع أرسطو فلسفة للطبيعة تقوم على أساس التغير، فرأى أن دراسة الطبيعيات هي دراسة ما يتغير من الأشياء).إن ارسطو وفي فلسفة الطبيعة سار علی نهج القدماء فيما یتعلق بالوحدة، وان کان قد رسم نظاما فلسفيا محددا.

إن القاسم المشترک بين مفاهيم الفلسفة الطبيعية في کافة المکاتب الیونانية المختلفة القديمة هو ان کافة مؤسسي هذه المکاتب کانوا ینظرون إلی الکون ککل، والعالم هو عبارة عن کائن حي یتکون من اجزاء مختلفة حية ایضا(وهي عنصار الطبيعة) فکلها مجتمعة تساهم في تشکیل عملية تسمی الحياة. وبحسب آراء هؤلاء الفلاسفة ان هناک قانون أو إشتراطات محدده حاكمة علی هذه الحياة.

في الجهة المقابلة لمکتب الوحدانية في الفلسفة(وهي نظرية فلسفية تقول أن الأشياء المتنوعة الموجودة في الكون تتكون من مادة واحدة وبهذا تكون خاصية الكون الأساسية هي الوحدة)، ظهر فلاسفة أکدوا علی التعددیة وحصر العالم وکثرة المنطلقات في العالم. إن فلسفة أمبادوقليس (كان فيلسوفاً يونانياً في فترة ما قبل سقراط) كانت المنشأ لنظرية العناصر الأربعة، وکان یؤمن بالکثرة المادية للعالم. وکان انصار ديموقريطوس أو ديمقراط( فيلسوف يوناني ولد في أبديرة) یؤمنون بأن العالم یتکون من اجسام متفقة الذات والطبيعة النوعية وکذلک في الاشکال. وفي مقابل هؤلاء، وجد فلاسفة أکدوا علی أن العالم یتکون من اجسام متباينة الذوات والطبيعة النوعية.

هل اهتم الفلاسفة المسلمين -بشکل خاص- بقضية البيئة وما یرتبط بها من قضایا؟

إن غالبية الفلاسفة المسلمین قد أبدوا آراءهم عن البیئة ومایرتبط بها. علی سبیل المثال أشیر إلی الفیلسوف المتأخر. بناء علی نتائج الدراسات التي قام بها منظرو تیار الحكمة المتعالية الصدرائية وعلی رأسهم حکيم السبزواري، یتضح لنا بأن هناک نظرة خاصة کان یتمیز بها أتباع المدرسة المشائية وهي التي تتعلق بکثرة الحقائق الکونية.

إن العلماء والمفکرين المسلمین وعبر التأثر بالمعارف الإسلامية، أکدوا بأن کافة الظواهر الطبيعية وکافة العناصر الکونية بما فيها الجمادات والأعشاب والحيوان والإنسان، کلها ناشئة عن الذات الإلهية. إن ابن سینا وخواجه نصر الدين الطوسي یعتبران من ابرز الحکماء المسلمین الذين قاما بمعالجة قضية البيئة عبر دراسات موسوعة، فقد اهتما بالبيئة وما یرتبط بها بشکل کبیر، مؤکدین علی ان العالم المحسوس هو انعکاس للذات الأزلية.

أما بالنسبة لقضية المعرفة الکونية، فقد کان هؤلاء يؤکدون علی أن العالم المحسوس هو عبارة عن مرحلة من مراحل الوجود، وهذا الوجود ناشئ عن الحقيقة العلیا والذات اللامتناهية، فبعد مروره بمرحلة الصیرورة تحول إلی عالم محسوس. إن الفلاسفة المسلمین یرون بأن للوجود مراتب، وکل مرتبة هي عبارة عن عالم مستقل بذاته. إن هذه العوالم هي عبارة عن خمسة مراتب. الذي یقع علی رأس هذا الوجود والعوالم هو الذات الإلهية، وهذه الذات هي لامتناهية مجتمعة فيها کافة الصفات الكمالية. إن عالم اتصاف تلك الحقيقة بغیر الصفات الربوبية والألوهية، یسمی عالم”هاهوت”؛(مأخوذ من هو الله الأحد) أي ذات الرب دون امتلاک صفاته. أما عالم اتصاف تلك الحقيقة بصفات الربوبية والألوهية یسمی”عالم اللاهوت”؛ أي كل ما يخص الذات الإلهية، أي كل ما يرتبط بالله. إن ذات الله سبحانه وتعالی فياضة علی الاطلاق، وهذا الفیض المرتبط بالحق بشکل مباشر هو عالم العقول المجردة، وهو المسیطر والعلة والعام المحسوس هو المسیطر علیه ومعلوله. وسمی هذا العالم”الجبروت”(و الجبروت صيغة المبالغة بمعنى الجبر. انها لم تذکر في القرآن الکريم لکنها وردت في الادعية الإسلامية). أما في المرحلة الأدنی من الجبروت یقع عالم الملکوت. إن هذه المفردة هي مبالغة من الملك أخذت من القرآن الکريم. قال تعالی: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (الأنعام- 75). فالعالم هو النفوس الکلية. أما النفوس الکلية وإن کانت مجردة لکنها أنزل مرتبة من عالم العقول. أما أنزل مرتبة هي مرتبة عالم الطبيعة؛ أي کل ما في الأرض والسماء یطلقون علیه عالم “الناسوت”. (هذه الکلمة مأخوذة من مفردة الناس بمعنی افراد البشر).

إن الفلاسفة المسلمين یؤکدون علی حرکتين وفقا للمراتب الکونية؛ الأولی هي قوس الصعود والثانية هي قوس النزول. إن نزول الوجود یکون من المبدأ وینتهي إلی عالم الطبيعة. لکن بحسب رأیهم ان الکون لایتوقف بعد نزوله ووصله إلی مرحلة المحسوس، بل یبدأ بالدخول في مرحلة القوس الصعودي. إن مرحلة تکامل الکون في القوس الصعودي تبدأ من عالم الطبيعة وصولا إلی عالم العقول وهو عالم التجرد. ویعبر عن الإنسان-بحسب العرفاء- بأنه الوجود الجامع لکافة المراتب. 

ومعنی ذلک هو ان “التراب”، هو عنصر مادي محض، یمر في مرحلة الصیرورة وهي مرحلة تکاملية تبدأ بالنطفة حتی یتحول إلی انسانإن الإنسان في الوهلة الأولی یصل إلی أسرار عالم الخیال والنفس ثم یصل إلی مرحلة العقل. وهذا یعني ان المادة في قوس الصعود تصل إلی عالم العقول. وعالم العقول هو عالم الجبروت الذي هو أدنی مرتبة من “عالم اللاهوت”؛ أي كل ما يخص الذات الإلهية. هذه هي مرحلة تکامل الإنسان. وبحسب رأي الفلاسة المسلمین ان الانبیاء والأوصیاء قد اجتازوا هذه المراحل واستطاعوا ان یصلوا إلی عالم العقول.

في العرفان الإسلامي تعتبر وحدة الکون أعم من العالم المحسوس، من جهته یعتبر العالم غیر المحسوس من أهم القضایا. إن محي الدین بن عربي یری الخلقة والکون بأنهما مجرد انعکاس. انه یری بأن کل ما في الکون هو انعکاس لأسماء الحق وصفاته، فالله سبحانه وتعالی قام بخلقة هذه اللأشیاء وبعث الروح فیها لیري نفسه، لذا فکل ما في العالم المحسوس هو ظل للصفات الربوبية.

إن نظرية وحدة الکون وعلاقة انعکاس العالم المحسوس للذات الأزلية کانت من القضایا الحاضرة بشکل کبیر في تعابیر العرفاء والمتصوفة، الأمر الذي دفعهم للإتیان بأمثلة وتشبیهات لتقریب هذه المفاهیم من أذهان تلامذتهم واتباعهم.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.