الثقافة الاسلامیۀ
موقع إسلامي وثقافي الثقافة الاسلامية

ما هي استراتيجية الأعداء لتغییر المنظومة الفکرية والقيم الاجتماعية في المجتمعات الإسلامية؟

0 19

حوار* مع السید «علی أکبر أشعري» حول الغزو الثقافي وأشکاله وتداعیاته ومخاطره علی المجتمعات الإسلامية.

العمل والبحث علی استقطاب عناصر وأنصار في داخل المجتمعات الإسلامية هي الاستراتيجية الرئیسية التي یتبعها العدو لتغییر المنظومة الفکرية والقيم الاجتماعية في هذه المجتمعات.

___________

 

السؤال: سماحة الدکتور لقد تولیتم مسؤولیات کبیرة في وزارتي التربية والتعليم والارشاد الاسلامي، کما شغلتم منصب المستشار الثقافي لرئیس الجمهورية لعدة سنوات بالإضافة إلی رئاسة منظمة الوثائق والمکتبة الوطنية. إلی جانب هذا، لقد جمعتکم علاقات وثيقة ببعض مفکري الثورة الإسلامية کالشهید باهنر واية الله مجتبی طهراني. بشکل عام لقد عرف عنکم النشاط المتواصل في المجالات الثقافية. برأیکم ما مدی خطورة ما یسمی بالغزو الثقافي علی جیل الشباب؟

الجواب: بعد انطلاق موجة الصحوة الإسلامية والتي بدأت بانتصار الثورة الإسلامية في إیران؛ واجهت القوی الغربية تحدیات کبیرة شکلت خطرا حقيقيا علی مصالحها في الدول المختلفة خاصة في الدول الإسلامية. إن هذه الصحوة استمرت شيئا فشيئا بحیث أصبحت تشکل تحدیات کبیرة لیس للسیاسات الغربية فحسب بل للثقافة الغربية ایضا، ذلک لأن الصحوة الإسلامية ایقضت النفوس المتعطشة للعدالة والحرية، ما دفع قوی الهيمنة لحیاکة المؤامرات لمواجهة هذه الصحوة وتأثيراتها الدولية. إن استراتيجة الأعداء لمواجهة الصحوة الإسلامية کان متعددة الجوانب وعلی مختلفة الأصعدة لذلک، جاءت المواجهة بصورة ناعمة ومباشرة؛ وعلیه قام الأعداء باتباع استراتيجيات خاصة وفقا للجغرافية والثقافة السائدة في منطقة ما. بعض الأحیان، ترغم قوی الهيمنة والاستکبار الأنظمة التابعة لها علی قمع شعبوها بهدف عرقلة مسیرة الصحوة الإسلامية والقضاء علیها قبل ان تتوسع. وبعض الأحیان، تقوم هذه القوی بتمریر مخططاتها عن طریق الجهات التابعة لها في المنطقة(أحزاب وحرکات وشخصیات مؤثرة) وبحجج واهية تقوم بقمع الشعوب أو حرف ثوراتها الشعبية. إن العدو عندما یعجز في ساحة المواجهة المباشرة -کما حصل ذلک في إیران عندما فشل العدو في تحقیق أهدافه من خلال الحرب المفروضة والقیام بانقلابات داخلية- یقوم باتباع استراتيجية الغزو الفکري والثقافي للاستیلاء علی عقول الفئات الشابة بهدف تغییر القيم الفکرية والثقافية للمجتمعات. فالغزو الثقافي هو أحد الآلیات التي مکنت العدو من حرف الثورات الشعبية في البلدان التي یرید فرض السیطرة علیها من الداخل. العدو ومن خلال هذه الاستراتيجية یرید استخدام التقنيات الحدیثة ويشن حربا نفسية للتأثیر علی المراکز التربوية والعلمية والثقافية والاعلامية وحتی الاقتصادية لکي یتمکن من السیطرة عقول الفئات الشابة في المجتمعات المسلمة. لاشک أن الأعداء یخططون لحرف الفئة الشابة عن الطریق السليم وابعادها عن الأهداف والقيم السامية التي ترتبط بالشعب والتاريخ والانسانية(کما عبر عنها قائد الثورة الإسلامية”اية الله السید علي الخامنئي”). أما مظاهر الغزو الثقافي والحرب الناعمة تجلت في تغيير نمط الحياة في بعض المجتمعات الإسلامية، من أكل وشرب وركوب وملبس واستخدام أدوات الزينة التي لاتتلائم مع ثقافتنا الإسلامية.

 

السؤال: لقد أشرتم إلی ترکیز قوی الهيمنة والاستکبار علی الطاقات المواهب الداخلية لتنفیذ مخططاتهم في إطار الغزو الثقافي. هل یمکنکم توضیح ذلک؟

الجواب: نعم. العدو يعمل  علی استقطاب عناصر وأنصار في داخل المجتمعات الإسلامية  بهدف تغییر المنظومة الفکرية والقيم الاجتماعية في هذه المجتمعات. إن استراتيجة العدو في هذا المجال هي نفس الطریقة التي یتبعها الشیطان. کما ان القران وبحسب ما جاء في القرآن الکريم: { وَزَیَّنَ لَهُمُ الشَّیْطانُ ما کانُوا یَعْمَلُونَ(الانعام – 43} يخدع الإنسان ویزین له الباطل، فان قوی الهيمنة والاستکبار ایضا انتهجت استراتيجية الخداع وطبقت ذلک في إطار علمي معرفي. إن قوی الهيمنة تسعی –من خلال حياکة المؤامرات- إلی فرض هیمنتها وسیطرتها علی عقلیات المجتمعات وأفکارهم، لأن ذلک یمکنها من تمریر مخططاتها بشکل أسهل وبأقل التکالیف إلی جانب التحکم بالمجتمعات لتمجید ما یخدم مصالحها وتقبیح ما یشکل خطرا علیها. إن الأعداء انتهجوا استراتيجية عدوانية واستمرا بها إلی ان وصلوا إلی ما عبر عنه القرآن الکريم بقوله: {وَلَن تَرْضَى عَنکَ الْیَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}. الیوم نلاحظ بکل وضوح، ان الأعداء وفي کافة المجالات وعلی کافة الأصعدة التعليمية والتربوية یمتلکون استراتيجة تدمیرية في المنهج وفي المحتوی. إن الغرب یتقبل الدین والشريعة والعلم والفن وکل شيء آخر فقط في المواطن التي لاتشکل خطرا لمصالحه، وهذا یعني ان الغرب یرفض ویتآمر علی کل ما یهدد مصالحه وهيمنته.

مع الأسف الشدید ان البعض منا ومن دون اهتمام ومعرفة بهذه الحقيقة استسلم ورفع الراية البیضاء امام الهيمنة الغربية وأخذ یتقبل کل ما یروج له الغرب والمنظمات التابعة له، ما ساعد الأعداء علی بسط سیطرتهم الفکرية والعقلية علی المجتمعات الإسلامية. اننا الیوم بأمس الحاجة لمعرفة حقيقة مخططات الأعداء وکذلک المراکز التابعة لقوی الهيمنة التي تقوم بتنفیذ هذه المخططات بشکل ممنهج ومدروس. إن أول خطوة تتمثل في معالجة کل ما نتلقاه من الغرب بنظرة نقدية، وأن لانکتفي باستیراد المعرفة بل یجب تطویر المعارف التي نتلقاها من الغرب بهدف توطینها وجعلها ملائمة مع ثقافتنا وحضارتنا. لاشک ان لم نقم بذلک نکون قد مهدنا الأرضية للأعداء لکي یتحکموا بعقولنا افکارنا بصورة تخدم مصالحهم فقط.

 

السؤال: نظرا لخطورة الغزو الفکري والثقافي؛ ما هي مسؤولية وسائل الاعلام والمراکز المعنية بالشؤون الثقافية والعلمية؟ برأيکم هل قامت هذه المراکز بتأدية أدوارها کما ینبغي؟

الجواب: کل مسؤول تجاه عمله وسلوکیاته؛ کافة ابناء الشعب، وکافة الأسر وکافة الذين یعملون في المؤسسات والمراکز المعنية. إن الله عز وجل وان خلق الانسان حرا وخیّره باختیار الطریق الذي یرید السیر علیه في حیاته، لکنه في نفسه الوقت وهبه نعمة العقل ونعمة الوحي للتمیز بین الحق والباطل والصحیح ومن غیر الصحیح. إذن الإنسان وإلی جانب امتلاک الحرية في اختیار طریق ونمط حیاته، یتحمل مسؤولیات تجاه النعم التي وهبها الله عز وجل له. فلو أراد أحد أن یکید له کیدا ویستغله لتمریر مآربه الخبيثة، یجب أن یکون قادرا علی مواجهة مخطط العدو بالبصیرة المبنية علی العقلانية والوحي.

 

 

الأسر ایضا تقع علی عاتقها مسؤولیات في هذا المجال. قال تعالی: { قُوا أَنْفُسَکُمْ وَأَهْلِیکُمْ نَاراً }. أما المسؤولية الکبیرة في هذا المجال تقع علی عاتق الحکومة والمراکز الرسمية المعنية بأمر الثقافة والفکر. ان الحکومة تتعهد ان تکون في خدمة الناس لذا لابد لها ان تقوم بتأدية أدوارها بکل صدق وأمانة.

الثورة الإسلامية في الأصل والأساس هي ثورة ثقافية. مؤسس الثورة الإسلامية الإیرانية، الإمام الخميني(رض) الذي یعتبر من الشخصیات الفذة في التاريخ؛ اختار خیار الثقافة لمواجهة نظام الشاه. في السنوات الأخیرة للحکومة الفهلوية، التقيت بالمرحوم ایة الله مجتبی طهران. في ذلک اللقاء، حدثني عن اللقاء الذي جمعه بالإمام الخميني(رض) في النجف الأشرف قبل انتصار الثورة، حیث قال له الإمام ان هناک ثلاثة خیارات لمواجهة نظام الشاه واسقاطه وهي: المقاومة المسلحة، والانقلاب العسکري(بواسطة العناصر الثورة في الجیش) والقیام بالعمل الثقافي والتوعوي. وبحسب أقوال اية الله طهراني، ان الامام أکد بأن الخیار الأنجع هو العمل التثقيفي التنویري. لقد وقع هذا بالفعل ورأينا ان الثورة الإسلامية انتصرت عبر التمسک بهذا الخیار. ان الثورة الإسلامية تقاد من قبل شخصیات ثقافية. لکن یبقی السؤال مطروح حول الأسباب التي تدفع قائد الثورة الإسلامية للتأکید بشکل مکرر علی مخاطر الغزو الثقافي وضرورة القيام باجراءات لمواجهته.

 

برأيي هناک عدة أسباب یمکن الاشارة لها بشکل سریع وهي:

-یبدو ان الماهية الثقافية للثورة الإسلامية والاهتمام بالقضایا الدينية في السنوات الأولی التي تلت انتصار الثورة، إلی جانب انشغال الناس في الشؤون الاقتصادية والمعيشية، وبتبع ذلک انشغال غالبية المسؤولين بالعمل علی ایجاد حلول لمعالجة الأزمات المعيشية؛ لم یهتم وربما لم تسنح الفرصة المناسبة للمسؤولين للاهتمام بالعمل الثقافي بالرغم من تأکید الإمام الخميني(رض) ثم قائد الثورة الإسلامية، اية الله السید علي الخامنئي علی ضرورة تکثیف الجهود في المجالات الثقافية. إن الإمام الخميني، ومنذ بداية مسیرته الثورية في ستینیات القرن الماضي، إلی جانب فضح مخططات القوی الاستعمارية الشرقية والغربية الهادفة لبسط سیطرتها علی المنطقة عبر التأثیر علی ثقافة شعوب المنطقة بهدف نهب ثروات ومقدرات هذه الشعوب؛ أکد بأن أفضل طریقة لاصلاح المجتمع هي اصلاح ثقافته، فقد کان یؤکد: ان «اصلاح الثقافة یقع علی رأس کل الاصلاحات»(صحيفة الإمام الخميني، ج10، ص356)، لأن «أعلی وأکبر عنصر يؤثر بشکل مباشر علی المجتمع هو عنصر الثقافة. إن ثقافة کل مجتمع هي في الواقع هوية هذا المجتمع ودلالة علی وجوده. (المصدر نفسه، ج15، ص243) في عام 1979م، وبسبب القلق الذي کان یساوره، کلف الإمام، الشهید باهنر وعدد آخر من الشخصیات بتشکیل مرکز خاص للثورة الثقافية، المرکز الذي تحول لاحقا إلی المجلس الأعلی للثورة الثقافية. لقد جاء في بداية الرسالة التي بعث بها الإمام إلی الشهید باهنر، في الفترة الأخیرة شعرنا بالحاجة إلی القیام بثورة ثقافية وهي قضية اسلامية ومطلب من مطالب شعبنا الإسلامي، لکن إلی الآن لم نشهد خطوة مؤثرة وجدیرة في هذا المجال، الأمر الذي أثار قلق الشعب وخاصة الطلبة المؤمنین والثوريين.

من جهته، أکد قائد الثورة الإسلامية، اية الله السید علي الخامنئي، مرارا وتکرارا علی ضرورة تکثیف الجهود والعمل في المجالات الثقافية محذرا من مؤامرات الأعداء ومخططاتهم التي یسعون لتنفیذها بأسلحة متنوعة من کتب وإذاعات وصحف ومجلات و..الخ وکلها تدخل في إطار الغزو الثقافي. لقد أکد سماحته في أحد خطابات أهمية الثقافة ومکانة العمل الثقافي بالنسبة للمجالات الأخری وقال: نحن نعتبر الثقافة القضية الأساسية في حیاة الانسان وانها لا تختص بتحصیل العلوم فحسب. ثقافة کل بلد، هي البيئة الأساسية للحرکية والتقدم في هذا البلد. إن الحرکة السیاسية والعلمية في هذا البلد ایضا مرتبطة بالثقافة. الثقافة تعني مجموعة سلوکیات وطنية تختص بمجتمع ما؛ انها عبارة عن أفکار ومعتقدات و قيم، فهذه الأمور هي عناصر مکونة للثقافة في البلاد. ان هذه القضایا هي التي تجعل من الشعب شعبا شجاعا وغیورا ومقداما إلی جانب کونه مستقلا، وکذلک یمکنها أن تجعل من الشعب شعبا ذلیلا خائبا منحطا مفلسا فقیرا. إذن الثقافة قضية مهمة. (6 ینایر 2005)

وخلال استقباله أعضاء الحکومة في الـ6 ابریل 2006م، أکد سماحة القائد: ” ان قضية الثقافة ومایرتبط بها من قضایا أساسية یجب الاهتمام بها.. لاینبغي اغفال اهمية العمل الثقافي. لایجوز التوقف او التقاعس في العمل الثقافي، لأن أکثر جهود الأعداء للتأثیر علی الشعوب والدول تتمحور حول القضایا الثقافية. هذا الکلام غیر مبالغ فيه! ان العمل الثقافي أکبر وأکثر تأثیرا من العمل السیاسي والأمني. إن لأعداء یعلمون بأنهم لو انتصروا في العمل الثقافي المضاد للثورة، فان باقي الخطوات ستکون سهلة؛ هذا هو سبب ترکیزهم علی العمل والنشاط الثقافي.”

الحقيقة ان البرامج الکلية للبلاد تعاني من اغفال وعدم اهتمام بالقضایا والدراسات الثقافية. مع الأسف، ان بعض الخطوات الثقافية لم تسند إلی دراسات ولاتنفذ بناء علی خارطة عمل. ان بعض الاجراءات الثقافية لیست علمية ونابعة عن معتقدات خاصة للقائمين علی العمل.

مع الأسف الشدید ان بعض الاجراءات الثقافية تتوقف بتغیر الحکومات والمدراء. علی سبیل المثال نحن في الحکومة السابقة قمنا بتدشين عدة مجلات اهتمت بمعالجة القضایا الثقافية، لکن وبالرغم من التأثیر الکبیر الذي خلفته هذه المجلات الا انها سرعان ما توقفت بعدما تغیرت الحکومة.

-إذا کانت الثقافة علی رأس سلم اولویاتنا ونؤمن بأن اصلاح الثقافة العامة هو شرط للتقدم في کافة المجالات لاسیما المجال الاقتصادي-الذي یعد من الاولویات خاصة في ظل الظروف الراهنة التي یمر بها البلاد بسبب الحظر الأمیريکي-؛ لابد لنا من النظر إلی العمل الثقافي بوصفه عملا جهادیا؛ بالضبط کتلک النظرة التي کنا نتمتع بها في الدفاع المقدس. ومعنی ذلک، ان کافة المؤسسات والدوائر الثورية یجب ان تتوحد للعمل تحت مظلة واحدة وهي مظلة الدفاع المقدس لفضح سیاسة الخداع التي یتبعها الأعداء وکذلک ومواجهة الغزو الثقافي والمخططات العدوانية الرامية لللتأثیر علی عقول ابناء المجتمعات الإسلامية.

-یجب علی المسؤولين الثقافيين الاهتمام بانتاج مواد ثقافية أکثر من القضایا الأخری. اننا الیوم نعاني من وجود مواد ثقافية قادرة علی معالجة التحدیات والأزمات الي تمر بها مجتمعاتنا. منذ بداية انتصار الثورة الإسلامية إلی یومنا هذا خصصت اموال طائلة للقيام بنشاطات واعمال ثقافية مکتوبة ومرئية و..الخ، لکن بالرغم من ذلک نشهد الیوم تشعب بعض الأزمات والثغرات الثقافية في مجتمعاتنا. برأيي ان المیزة الثقافية الوحيدة التي ساهمت في الحفاظ علی مجتمعنا وصانتها من الخطر والانهیار، هي المیزة الدينية والعلاقة الوثيقة بین ابناء الشعب و المؤسسات الدينية غیر الرسمية. ان بعض الفعالیات التي تقام في شهر محرم وایضا شهر رمضان المبارک کان لها دور کبیر في تماسک المجتمع وحفظه من التحدیات التي تحدق به.

-عدم اتباع آلية وضوابط محددة في عملية اختیار المدراء في المجالات الثقافية. بعض الأحیان یقع الاختیار علی اشخاص لایؤمنون بالمجال الذي ینشطون فیه ولا بأهدافه ونتيجة لذلک یخرج عمل المؤسسة الثاقفية عن دائرة العمل العمل الثقافي المراد.

 

السؤال: برأيکم ما هي الآلية المناسبة لاختیار المدراء الثقافيين بحیث یکونوا قادرين علی انجاح المهام في مواجهة الهجمة الثقافية التي یقوم بشنها العدو؟

الجواب: برأيي ان من یتم اختیاره لتولي قيادة العمل الثقافي أو الاشراف علیه یجب ان یتمتع بعدة مواصفات من أهمها:

-امتلاک خبرة تامة بالأسس الثقافية الإسلامية والایمان بنجاعة الدين في المجالات الثقافية

-اعتبار الثقافة أعلی واسمی عنصر مؤثر في المجتمع والایمان بهذه الحقيقة

-معرفة الخلفیات الثقافية والحضارية الإسلامية

-معرفة مواطن الضعف والقوة لثقافة المجتمع الإیراني في العصر الراهن

-متابعة آخر التطورات والمستجدات الثقافية الوطنية والاقليمية والعالمية خاصة السیاسات الثقافية لقوی الهيمنة

-امتلاک رؤية اصلاحية تجاه الثقافة إلی جانب امتلاک رؤية منهجية لمعالجة الثغرات

-الشجاعة والقدرة علی اتخاذ قرارات صائبة في مواجهة الثقافة الغازية والغزو الثقافي الفکري

-الایمان بضرورة التنظيم وتعبئة الجبهة الثورة الإسلامية في المجالات الثقافية

-ان یعتبر الثقافة شأنا دینیا ووطنیا وعدم ادخال المصالح الحزبية والسیاسية في العمل الثقافي

 

السؤال: الیوم وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات تعمل بشکل مکثف لنشر الثقافة العلمانية کما ترید نشر الاباحية في المجتمعات الاسلامية. إلی جانب هذا، انها تسعی إلی إضعاف دعائم القوة الوطنية وتعاضد ابناء الشعب وابعادهم عن الإسلام. ماهي مهمة الشعوب ومسؤولي الحکومات تجاه الهجمة التي یشنها الأعداء؟

الجواب: برأيي الحل الوحید هو العودة إلی الإسلام الصحیح. القرآن الکريم قد تحدث بشکل واضح عن حقيقة الکون والإنسان وکذلک العلاقة بينهما. في الفکر المادي یعتبر الانسان کائنا متکاملا لیس له خلفية ولامستقبل، وانه یعیش في  وحدة وحیرة في هذا العالم. لکن الإنسان في الإسلام، له بداية وانطلاقة وکذلک له مستقبل ومصیر؛ أي انه یعرف من أين أتی ولماذا وإلی أین یتجه. الشريعة الإسلامية تؤکد بأن الحیاة لاتنحصر في هذا العالم المادي. ان عالم الغیب والشهادة ایضا للانسان بشرط ان یکون مؤمنا بالله وما أمر به. الغیب یعني العالم الماورائي البعید عن ما یراه البشر ویخطط له. الله سبحانه وتعالی وفي الآیات الأولی من سورة البقرة، بأن القرآن الکريم هو وسيلة لهداية المتقين(ذلک الکتاب لاریب فیه هدیً للمتقین). ثم یقوم بذکر صفات المتقين، فأول صفة هي الایمان بالغیب. وفي الآیات التالية یشیر إلی يوم القيامة والایمان بیوم الحساب ویؤکد بأن الایمان بیوم القيامة والحساب هو أحد صفات المتقين. قال تعالی: {انّا لَنَنصُرُ رُسُلَنا والَّذینَ ءامَنوا فِی‌الحَیوة الدُّنیا ویَومَ یَقومُ الاَشهاد} (غافر – 51) ان هذه النصرة لها أشکال مختلفة قد ذکرت في القرآن الکريم في مواضع متعددة وقد شهدناها نحن ایضا في السنوات التي تلت انتصار الثورة الإسلامية. ویمکننا الاشارة إلی الامداد الغيبي في انتصار الثورة الإسلامية وحادثة طبس(فشل البیت الأبیض في عملية تحریر الرهائن في 25 ابریل 1980م)، وکذلک في أیام الدفاع المقدس في الحرب المفروضة، کدلالات وتجلیات للنصرة الالهية. إن قائد الثورة الاسلامية اية الله السيد “علي الخامنئي” وفي تفسیره لقوله تعالی: «يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ» یقول: الایمان بالغیب لا یعني عدم الاهتمام بعالم الشهادة(العالم الذي یشاهده جمیع الخلق)؛ لاینبغي تجاهل هذا العالم. العين تری، والحواس تشعر والعقل یدرک، لذا یجب علی الانسان ان یعمل وفقا لهذه الأشیاء. الایمان بالغیب یعني ان هناک عالم غیر العالم الذي یشاهده جمیع الخلق، وهو عالم مبني علی نظم دقيق بين المعلولات والعلل ولیس عن طریق الصدفة. ان عالم الغیب يعني ان وراء عالم الملک یوجود عالم الملکوت والمعنی. ان عالم المعنی لایختص بالقيامة و البرزخ وما بعد الموت؛ انه عالمنا هذا ویجب ان نؤمن به. إن النقطة الأساسية والتي تعتبر المعنی الحقيقي لکافة العوالم، هي الذات المقدسة لله عز وجل، فهو منشئ کل شيء؛ الحیاة والوجود والحرکة التأثیر والتأثرات. أما عالم الغیب یشمل أشیاء أخری یجب أن نؤمن بها. (تصریحات قائد الثورة الإسلامية خلال استقباله قادة حرس الثورة بتاریخ: 20 سبتمبر 1990)

وهذا یعني ان من یؤمن بعالم الغریب لایری نفسه محصورا في هذا العالم المادي، لأن طموحاته وأهدافه تتعدی تلبية اشباع الرغبات المادية. انه وقبل القیام بأي خطوة من أجل تحقیق طموحاته، یعول علی رحمة الله وعنایته ویتوکل علیه ثم یقدم علی خطوته. ان هذا الشخص یسمو إلی مرتبة تجعله یری التعلقات المادية ملوثة لروحه لذا فانه یبتعد عن الرغبات المادية إلی إذا اقتضت الضرورة. لاشک ان هذا الشخص لاینجر وراء مخططات العدو ولن یکون ضحية الغزو الثقافي ابدا. إذن إذا کان الهدف هو تربية الانسان بناء علی القيم والتعاليم الإسلامية، سوف نتمکن من مواجهة الغزو الثقافي. في الجانب الآخر، یوجد أفراد من أصحاب الشخصیات الضعيفة الذين لایرون في الحیاة إلا مجرد اشباع الرغبات المادية. لاشک ان هؤلاء أکثر عرضة لمجالات الغزو الثقافي.

بناء علی ما تقدم ذکره نقول یجب علی القائمين علی مراکز التخطیط للبرامج والمجالات الثقافية، العمل علی تربية الأفراد وفقا للقيم والتعاليم الإسلامية والثقافية الأصيلية، خاصة في الوقت الراهن الذي يشهد هجمات مدبرة ومخططة ومدروسة غیر مسبوقة يترتب علیها غزو فکري وثقافي یستهدف المجتمعات الاسلامية. یجب علی المسؤولين في المجالات الثقافية الاهتمام أکثر في قضية الايمان بالله وعنایته والانطلاق من مبدأ الایمان بنصرة الله عز وجل وتسدیده عند القيام بالعمل الثقافي. کما ینبغي ان یعتبروا العمل الثقافي عملا جهادیا، وعلیهم ایضا ان یتحلوا بالروح العقدية التي تحلی بها القادة الثوريين في ساحة المعارک ضد المعتدین والمستکبرین کقادة الدفاع المقدس في الحرب المفروضة.

في هذه الساحة(الثقافية) یجب الانطلاق من المبادئ الدينية والاعتقاد بالنصر اللهي إلی جانب التسلح بسلاح العلم والتقنیات الحدیثة ثم العمل علی الحفاظ علی البلد من خلال مواجهة المخاطر والتحدیات الراهنة التي تشکل منعطفا تاریخیا خطیرا. قال تعالي: {ولینصرن الله من ینصره ان الله لقوی عزیز} (الحج – 40)

 

________

*المقابلة أجریت في یونیو 2015م

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.